(الله اعلم حيث يجعل رسالته) على مرِّ القرون، ظلّت سِدَانةُ الحرمين الشريفين ورعايةُ قاصديهما أسمى غايةٍ تشرّفت بها الدولة السعودية منذ عهد المؤسس الملك عبد العزيز -طيب الله ثراه-. إلا أننا اليوم، وفي ظل “العهد السعودي الزاهر”، نقفُ أمام فصلٍ استثنائي لم تشهد له عمارةُ الحرمين ولا المشاعرُ المقدسة مثيلاً في التاريخ؛ حيث تحولت الرعايةُ من مجرد “خدمة” إلى “ريادةٍ عالمية” تزاوجُ بين الهيبة الروحية والعبقرية التقنية، لتظلَّ المملكةُ العربيةُ السعوديةُ قِبلةً للقلوبِ ومنارةً للإتقان.
إنَّ ما نستعرضه اليوم من منجزاتٍ شامخة في خدمة الحرمين الشريفين، لا يعدو كونُه “قطرةً من مطرٍ هتان”، أو كمن يرفع “حفنة رمالٍ” من صحراءٍ شاسعةٍ لا يدرك البصرُ مداها. فمهما أُوتينا من بيان، يظلُّ ما نذكره نزاراً قليلاً، وإشارةً عابرةً أمام فيضٍ من العطاء السعودي الذي لا تُحصيه الأرقام، ولا تختصره الكلمات؛ فنحن نقف أمام سجلٍ حافلٍ من الإعجاز المعماري والريادة التنظيمية، ما هو إلا غيضٌ من فيضِ جودِ هذه البلاد المباركة في خدمة بيته العتيق ومسجد رسوله الأمين.
فمن هذه الإنجازات التي نوردها على سبيل المثال لا الحصر:
أولا :توسعات الحرمين (ملحمة التشييد)
المسجد الحرام
التوسعة الأولى (1955م) ): أمر بها المؤسس الملك عبدالعزيز-طيب الله ثراه- وبدأ تنفيذها وافتتحت في عهد الملك سعود -رحمه الله -، وركزت على زيادة مساحة الأروقة لاستيعاب الطائفين مع الحفاظ على الهوية الإسلامية.
التوسعة الثانية (1988م): في عهد الملك فهد-رحمه الله-، وشكلت قفزة نوعية بزيادة المساحات وارتفاع المآذن وإضافة الزخارف الإسلامية الفاخرة.
التوسعة الثالثة (2011م): انطلقت في عهد الملك عبد الله -رحمه الله – واستُكملت في عهد الملك سلمان -حفظه الله -، وهي الأضخم تاريخياً، حيث اعتمدت أحدث التقنيات الهندسية العالمية.
المسجد النبوي
التوسعة الأولى (1955م): بدأت في عهد الملك عبد العزيز -طيب الله ثراه- وافتتحها الملك سعود -رحمه الله -، شملت توسيع الجهات الثلاث (شمال، شرق، غرب) مع الحفاظ على المسجد القديم.
التوسعة الثانية (1985م): في عهد الملك فهد -رحمه الله-، وهي إعجاز هندسي ضاعف المساحة 5 مرات، وتميزت بالقباب المتحركة والمظلات الذكية لتوفير الراحة للمصلين.
التوسعة السعودية الثالثة (الكبرى): انطلقت عام 2012م في عهد الملك عبد الله-رحمه الله – وتستمر في عهد الملك سلمان -حفظه الله -؛ وتُعد أضخم مشروع تطويري في تاريخ المدينة المنورة، بهدف رفع الطاقة الاستيعابية إلى مليوني مصلٍ، مع منظومة خدمات تقنية ولوجستية متكاملة.
ثانياً: المشاريع الاستراتيجية والتحول الرقمي (عهد الرؤية)
مشروع بوابة الملك سلمان: وجهة حضارية ذكية على مساحة 12 مليون متر مربع بجوار الحرم المكي، تهدف لتطوير البنية التحتية العمرانية وتسهيل تدفق الحشود وفق “رؤية 2030”.
الخدمات الرقمية والذكاء الاصطناعي: تسخير التقنيات الحديثة لخدمة الحجيج، مثل منصة “نسك”، والبطاقة الذكية، والروبوتات للإفتاء والسقيا، ومشروع خادم الحرمين للترجمة الفورية للخطب والدروس لأكثر من 20 لغة عالمية عبر منصة “منارة الحرمين ، وغرف عمليات تراقب الحشود بالذكاء الاصطناعي لضمان الأمان.
مبادرة “طريق مكة”: إحدى مبادرات الرؤية لإنهاء إجراءات دخول الحجاج من مطارات دولهم (الجوازات، الجمارك، والفرز)، لينتقل الحاج مباشرة إلى سكنه عند وصوله دون انتظار.
قطار الحرمين السريع: شريان نقل استراتيجي انطلق عام 2018م لربط مكة بالمدينة؛ يختصر المسافات ويوفر سبل الراحة والأمان لضيوف الرحمن بأحدث المعايير الهندسية.
وجهة “مسار”: مشروع تنموي يمتد بطول 3.6 كم لربط الطريق الدائري الثالث بساحات الحرم؛ يضم مسارات للمشاة، وأنفاق خدمات، ومحطات للمترو والحافلات لضمان انسيابية الحركة.
ثالثاً: تطوير المشاعر المقدسة والخدمات اللوجستية
منشأة الجمرات: أيقونة هندسية من 5 أدوار تستوعب 300 ألف حاج في الساعة، مصممة بنظام يمنع التدافع ومزودة بمهبط للطائرات وأنظمة تكييف وتقنيات إرشاد ذكية.
تطوير مشعر منى: قادت شركة “كدانة قفزة تطويرية شملت خياماً مقاومة للحريق، ومشروع “الخيام ذات الطابقين” لاستغلال المساحات، إضافة إلى أبراج سكنية حديثة توفر خدمات فندقية متكاملة.
مستشفى منى الجديد: منجز طبي نُفذ في وقت قياسي (30 يوماً)، يضم كافة التخصصات وغرف العناية المركزة والطوارئ لتقديم رعاية صحية فائقة لضيوف الرحمن.
الإسعاف الجوي والهلال الأحمر: منظومة إنقاذ متكاملة تضم أسطولاً من المروحيات المجهزة كعناية مركزة طائرة، وفرقاً أرضية ودراجات نارية لضمان سرعة الاستجابة الطبية في قلب الحشود.
تشجير وتبريد صعيد عرفات: مشروع تشجير يضم 300 ألف شجرة لتنقية الهواء، مع نشر 60 ألف متر مربع من المظلات ومراوح الرذاذ التي تخفض الحرارة بمعدل 12 درجة مئوية.
قطار المشاعر المقدسة: شريان ذكي يربط منى ومزدلفة وعرفة بسعة 72 ألف راكب في الساعة؛ يختصر زمن التنقل ويقضي على الزحام المروري بتكنولوجيا تحكم دقيقة.
طريق المشاة المطاطي: أطول طريق مشاة في العالم (25 كم)؛ صُمم بأسفلت مطاطي مرن لراحة الأقدام، وزُوّد بمظلات، ومراوح رذاذ، و2400 مشرب مياه مبردة.
خدمات أمانة العاصمة المقدسة: تشمل شبكة إنارة وطرقاً مطورة تراعي ذوي الإعاقة، مع منظومة نظافة ذكية تضم 13 ألف عامل وصناديق ضاغطة ومخازن أرضية ذكية للحفاظ على بيئة صحية ونقية.
رابعاً: البنية التحتية والخدمات التاريخية :
خزانات المياه المليونية: منظومة خزانات في منى وعرفة بسعة تتجاوز 3 ملايين متر مكعب، تضمن تدفق المياه بنقاء عالي يخضع لـ 4000 فحص مخبري يومياً.
الإعجاز الكهربائي: تطوير شبكة كهربائية جبارة رفعت القدرة بنسبة 95%، لتشغيل أنظمة التكييف والقطارات والمستشفيات بكفاءة تامة ودون انقطاع.
سقاية زمزم: مشروع الملك عبدالله-رحمه الله- الذي يضخ مليون متر مكعب يومياً بأحدث تقنيات التعقيم والتصفية، مع منظومة توزيع آلية تضمن نقاء الماء وسلامته.
مجمع الملك عبدالعزيز لكسوة الكعبة:صرح صناعي يجمع بين المهارة اليدوية والتقنية الحديثة، حيث يُحاك ثوب الكعبة بأجود أنواع الحرير وخيوط الذهب والفضة بأيدي كفاءات سعودية.
خاتمة الوفاء والولاء: إنَّ كلَّ هذه المنجزات العظيمة والقفزات الحضارية المعجزة التي يشهدها الحرمان الشريفان والمشاعر المقدسة، لم تكن لترى النور لولا التوفيق من الله أولاً، ثم الرؤية الحكيمة والثاقبة والعزيمة الماضية لقيادتنا الرشيدة -أيدها الله-.
لقد جعل خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله- خدمة ضيوف الرحمن أولويةً قصوى ونهجاً راسخاً في سياسة الدولة.
مسخرين كافة الإمكانيات المادية والبشرية والتقنية لتذليل الصعاب وبناء.صروح الراحة والطمأنينة.
إنَّ هذا العهد السعودي الزاهر قد كتبَ بمدادٍ من نور فصلاً جديداً وغير مسبوق في تاريخ عمارة الأرض وخدمة الدين، ليقف العالم أجمع شاهداً على أن المملكة العربية السعودية هي الحصنُ الأمين، واليدُ الحانية، والقلبُ النابضُ لخدمة الإسلام والمسلمين، فجزاهم الله عن ضيوفه وعن الأمة الإسلامية خير الجزاء وأوفاه.
مقالات سابقة للكاتب