بين صهيلِ الأمنيات… وحمحمةِ التأمُّل

ما أعجبَ هذه الحياة…

نولدُ فيها باكين، ثم نمضي أعمارنا نطارد ما نظنّه سببَ السعادة، حتى إذا أوشك الليل الأخير أن يسدل ستاره، اكتشفنا أن أكثر ما سعينا إليه كان كظلٍّ على ماء؛ يسقط عليه حجرٌ صغير، فيحيله دوائرَ متلاحقةً يدفع بعضُها بعضًا إلى البعيد… حتى تذوبَ جميعًا في صمتٍ لا يُبقي منها أثرًا.

في أول العمر، يكون القلبُ ممتلئًا بضجيج الغد؛

يرى الشابُّ الدنيا طويلةً كأن الموت خُلق لغيره، ويظن أن الفرح مؤجلٌ إلى يومٍ سيأتي، وأن السكينة تسكن خلف بابٍ لم يُفتح له بعد.

فيعدو خلف الأمنيات عدوَ الظمآن خلف السراب، كلما بلغ غايةً لاح له ما بعدها، حتى يتعب القلب وهو يظن أنه لم يصل بعد.

ثم تمضي السنون…

ويهدأ صهيل الرغبات، وتعلو حمحمةُ التأمل، وتنطفئ في الروح حدّةُ اللهاث، ويقف الإنسان ذات مساءٍ على مرتفع العمر، يلتفت وراءه…

فإذا الطرق التي أفناه القلق فيها أقصرُ مما ظن، وإذا المعارك التي استنزفت قلبه ما كانت تستحق كل ذلك النزف، وإذا المخاوف التي تقاذفت سكينته لم تكن سوى أوهامٍ ألقاها الشيطان في روعه؛ ليصرفه بها عن الطمأنينة بالله، ويحرمه لذةَ الرضا والثقة بلطف مولاه.

وهناك يكتشف أن الكنوز الحقيقية لم تكن في البعيد الذي ركض إليه، بل في الأشياء التي مرَّ عليها مسرعًا دون أن ينتبه:

في ركعةٍ خاشعة،

ودعوةٍ حانيةٍ من والدين،

ومساندةِ شقيقٍ وقت الانكسار،

وتضحيةِ شريكِ عمرٍ اقتسم معه مرارة الطريق قبل أفراحه،

ونظرةِ رضا من ابنٍ بارٍّ يرى فيه امتداد عمره،

ووفاءِ صديقٍ لم تغيّره المسافات ولا تقلُّب الأيام،

ولحظةِ سكينةٍ كان الله يُثبِّتُ بها قلبَه وهو لا يشعر.

ثم يُدرك ـ ولو بعد عُمُرٍ من اللهاث ـ أن الحياة لم تكن رحلةَ وصولٍ إلى الأمنيات، بل رحلةَ عودةٍ إلى الله.

وأن الطمأنينة التي فتّش عنها في اتساع الأرض، كانت تسكن في قوله تعالى:

﴿أَلا بِذِكرِ اللَّهِ تَطمَئِنُّ القُلوبُ﴾ [الرعد: 28].

ويعلم أخيرًا أن العمر لا يُقاس بطوله، بل بعدد اللحظات التي عاشها القلب مطمئنًا بالله، وأن أعظم الخسارات ليست فواتَ شيءٍ من الدنيا، بل أن يمضي الإنسان وقلبُه بعيدٌ عن خالقه.

فهنيئًا لمن أتى الله بقلبٍ سليم، انتهى به الطريق معافى من الأحقاد، ممتلئًا بالرضا، قد عرف من الدنيا أنها ظلٌّ زائل، ومن الناس أنهم وجوهٌ على الطريق… يشهدون له أو عليه، وعرف من الطمأنينة أنها ليست في اتساع الدنيا بين يديه، بل في اللحظة التي يأخذ فيها كتابه بيمينه، فيردد بفرح النجاة وطمأنينة العابد الذي طال شوقه إلى ربه:

﴿هاؤُمُ اقرَؤوا كِتابِيَه ۝ إِنّي ظَنَنتُ أَنّي مُلاقٍ حِسابِيَه ۝ فَهُوَ في عيشَةٍ راضِيَةٍ ۝ في جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ [الحاقة: 19-22.

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *