غزلان جبل القمر!

في اللحظة العابرة، حيث تنحني يد الإنسان قليلاً ليعود الكائن البري إلى اتساع الأرض، لا يبدو المشهد مجرد “إطلاق” لحيوان فطري في فضاء طبيعي، بل يبدو وكأن الطبيعة نفسها تستعيد جملةً ناقصة من أبجديتها القديمة.
استوقفتني صورة ذلك الغزال اللطيف، فثَمَّةَ أمر مهيب في هذه الصورة؛ شيء يتجاوز الفعل الإداري، أو البيئي إلى معنى وجودي عميق.
ذلك الغزال الكائن الصغير،المرتبك بين الخوف والاندفاع، لا يهرب من الإنسان بقدر ما يعود إلى ذاته الأولى. وكأن الحياة -بعد قرونٍ من الإسراف البشري في السيطرة- قررت أن تمنح البرية فرصةً أخرى لتتنفس.
في منتزه جبل القمر بمحافظة خليص، لا يُطلق كائن فطري فحسب، بل يُطلق جزءٌ من الضمير الإنساني الذي أدرك أخيراً أن الأرض ليست ملكية خاصة للبشر، بل أمانة كونية تتقاسمها الأرواح جميعاً عبر كل الأجيال والسنوات، ما يمشي منها على قدمين، وما يعدو بخفة الريح، وما يطير، وما يزحف على صمت الرمال.
لقد اعتادت الحضارة الحديثة أن تقيس التقدم بما تبنيه من مدن، لكنها نادراً ما سألت نفسها:
كم غابة خسرنا كي نربح هذا الكم من الإسمنت؟
كم صوتاً برياً انطفأ كي يعلو ضجيج الآلات؟
وكم مرةً ظنَّ الإنسان أنه انتصر،بينما كان في الحقيقة يبتعد تدريجياً عن جوهره الطبيعي؟
إن إعادة الكائنات الفطرية إلى حضنها الأول ليست فعلاً بيئياً فحسب، إنها محاولة لإصلاح الشرخ الروحي بين الإنسان والطبيعة.
فالإنسان حين يقتل التوازن البيئي، لا يدمر الأشجار والحيوانات فقط، بل يعتدي على توازنه الداخلي أيضاً؛ لأن الروح البشرية -مهما غرقت في المدنية- تبقى مرتبطة سراً بذلك العالم البدائي النقي، عالم الجبال، والريح، والكائنات الحرة التي لا تعرف الأقفاص.
هذا الغزال الوديع بدا عندما تم إطلاقه، وكأنه يحمل ذاكرة الأرض نفسها رغم ارتباكه الشديد عندما صافحت قدماه يد الأرض الجديدة.
ركضته الأولى ليست حركة جسد فقط، بل إعلان حريةٍ كان ينشدها ويتوق إليها.
إنه يركض كما لو أن البرية تنادي أبناءها بأسمائهم القديمة.
وكأن جبل القمر لا يستقبل حيواناً عائداً، بل يستعيد نبضاً كان غائباً عنه.
ووسط هذا المشهد يُشاهد الإنسان الواقف خلفه، فلا يبدو سيداً للطبيعة هنا، بل شريكاً متواضعاً في حراستها.
وهذه هي النقلة الحضارية الحقيقية، أن ينتقل الإنسان من عقلية الامتلاك إلى أخلاق الرعاية، ومن وهم الهيمنة إلى وعي الاستخلاف.
فالبيئة ليست مشهداً خارجياً نعيش فيه، بل مرآة داخلية لما نحن عليه.
إنه حين تتصالح الأرض؛ يهدأ شيءٌ ما في أرواحنا، وحين يعود الكائن الفطري إلى موطنه؛ يعود جزءٌ من إنسانيتنا نحن أيضاً.
إن مشاريع التطوير البيئي ليست رفاهية عصرية، بل ضرورة أخلاقية وفلسفية؛ لأن المستقبل لا يُبنى فقط بالاقتصاد والتقنية، بل ببقاء الحياة متوازنة على هذا الكوكب الهشّ. فكل شجرة تُزرع، وكل كائن يُحمى، وكل موطن طبيعي يُستعاد، هو في الحقيقة دفاع صامت عن حق الأجيال القادمة، في أن ترى العالم حياً نابضاً بالحُبِّ والجمال،لا مجرد بقايا ذاكرة خضراء.
لهذا تبدو صورة هذا الغزال اللطيف أكبر من مجرد توثيق حدث.
إنها صورة للمصالحة، مصالحة الإنسان مع البرية، ومصالحة التنمية مع الرحمة، ومصالحة الحضارة مع الأرض التي تحملها.
وفي عمق هذا المشهد -مشهد إطلاق مجموعة الغزلان- يهمس جبل القمر بحقيقته القديمة، أن الطبيعة لا تطلب منا الكثير، فقط أن نتوقف قليلاً عن إيذائها؛ لنكتشف أنها كانت طوال الوقت تحاول إنقاذنا من قسوة الحياة المدنية، وتحاول أن تمنحنا بضْعَاً من روحها البريئة لنعيش بها أبرياء.

سليمان مُسْلِم البلادي
solimanalbiladi@

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *