هناك لحظة لا تُرى من الخارج، لكنها تحدث في الداخل كأنها انزياح مفاجئ في الإحساس نفسه. لا شيء يتغير حولك، لكنك فجأة لا ترى الشيء بالطريقة نفسها. كأن الإدراك ينسحب خطوة إلى الخلف، ويتركك أمام صورة مألوفة لكن غريبة في نفس الوقت، أقرب إلى أنها فقدت دفئها بدون سبب واضح. الأغرب أنك لا تشك في الواقع، بل تشك في شعورك تجاهه.
في هذه الحالة يظهر التشويه الإدراكي كأنه ليس فكرة، بل حركة داخلية تلقائية، شيء يشبه رد الفعل أكثر من كونه قرارًا. القرب العاطفي لا يُعاش كطمأنينة، بل كضغط خفيف يصعب تفسيره، وكأن النفس تبدأ تبحث عن مخرج قبل أن تفهم لماذا تحتاج المخرج أصلًا. هنا لا يتم رفض الآخر بشكل مباشر، بل يتم تغيير صورته داخليًا بهدوء، كأن العقل يخفف حدّة التعلّق عبر إعادة رسم التفاصيل.
تبدأ الأشياء الصغيرة تأخذ وزنًا مختلفًا. ما كان عاديًا يصبح ملفتًا بشكل مقلق، وما كان يبعث على الارتياح يصبح محل تساؤل داخلي. ليس لأن هناك دليلًا جديدًا، بل لأن الشعور نفسه لم يعد قادرًا على تحمل الاستمرار بنفس الكثافة. وكأن الذهن، في لحظة صامتة، يختار أن يعيد تفسير كل شيء بدلًا من مواجهة شعور الاقتراب كما هو.
ما يرهق في هذه التجربة ليس الانسحاب فقط، بل الطريقة التي يحدث بها داخل الوعي. لأنك لا تشعر أنك تهرب، بل تشعر أنك تفهم أكثر. وكأن وضوحًا مفاجئًا قد وصل، بينما في العمق يكون هذا الوضوح مصنوعًا من حاجة خفية لخلق مسافة آمنة. تكتشف أنك قادر على تبرير الشعور بسهولة، رغم أنك لا تستطيع تتبع لحظة تكوّنه الأولى.
هناك جزء داخلي يريد القرب بصدق، وجزء آخر يرتبك منه بنفس الصدق تقريبًا. ولا أحد منهما يختفي، لكن أحدهما يعلو فجأة عندما يقترب التعلّق أكثر من اللازم. وكأن النفس لا ترفض العلاقة، بل ترفض شدّتها. ترفض عمقها. ترفض اللحظة التي يصبح فيها الشعور كبيرًا لدرجة لا يمكن التحكم به بسهولة.
ومع تكرار هذا النمط، يصبح الأمر أشبه بدائرة مألوفة. الاقتراب يخلق دفئًا، ثم يأتي القلق بهدوء، ثم يبدأ العقل في إعادة تفسير الدفء نفسه. لا يعود الأمر قرارًا واعيًا، بل مسارًا داخليًا يحدث قبل أن تلحق به. والأسوأ أنك تلاحظه بعد أن يكون قد حدث بالفعل، لا أثناءه.
في النهاية، ما يبقى ليس صورة الآخر، بل سؤال داخلي صامت عن سبب هذا التحوّل المفاجئ في الشعور. وكأن المشكلة ليست في العلاقات بقدر ما هي في تلك اللحظة الدقيقة التي يتغيّر فيها الإدراك دون إذن، ويتركك تحاول فهم نفسك بدلًا من فهم ما حدث فعلاً. لحظة لا تُمسك بسهولة، لأنها لا تحدث في السلوك، بل في العمق الذي يسبق أي قرار، حيث يتقدّم الشعور خطوة ثم يتراجع الإدراك خطوة أخرى، وتبقى أنت في المنتصف تحاول الإمساك بشيء لم يعد ثابتًا كما كان.
فاطمه حمود الدوسري
مقالات سابقة للكاتب