(ما لم تُخفِه الأسوار)
بعضُ التصرفات التي كانت تفرض نفسها في ظروف غير مرغوبة، وإن طوى الزمان صفحتها، وتقشعت مع إشراقات ما بعد عام ١٣٥١هـ، إلا أن بقايا أثرٍ منها ما تزال تُذكِّر بها، وخبايا أرضٍ شحب وجهها.
حينما وقفتُ على طرف حارة تلك الأجداث التي انقطع الوارد إليها منذ ما يقارب القرن من الزمان، وقد انتقل الدفن إلى موقعٍ آخر يتبع الأحياء؛ لأن الصادر منهم هو الوارد إليها، غشيتني في تلك الوقفة سهوةُ فكرٍ تقلّبت فيها صفحاتٌ سريعًا إلى الخلف، لها ما يشبه خشخشة الورق اليابس الذي ينبه بغير إزعاج. وبينما كانت عيناي تدوران، أرمي البصر في أطراف تلك البقعة الميتة المنسية، ما لبث أن عاد إليّ سريعًا، وأحسست ببوادر غشية كدت أقع بسببها… فكم من الناس، وكم من الأمم، من عهد عادٍ وثمود، ومن عهد نوحٍ وآدم، حوتهم هذه الأرض، فلا منهم أحدٌ عاد، ولا صوتٌ عنهم يُخبر! فلا تواصل ولا اتصال.
وخاطبتُ نفسي بقول أبي العلاء المعري:
خفف الوطءَ ما أظنُّ أديمَ الأرضِ إلا من هذه الأجسادِ
وما أسرع أن تجمعت تلك الأفكار الآفاقية لتتركني مع دافع كتابة هذه المقالة، التي كدت أستطرد في شعابها فأتوه عنها.
أروي لكم بسندٍ مباشر، صيغته: «سمعتُ منه»، وهو الذي حدثني منذ ما يزيد على عقدين من الزمان، فقال:
كان من الناس — ويقصد زمانًا عاشه معهم — إذا مرض أحدهم، أو كانت له حاجة مستعصية، ذهب إلى هذه المقبرة، واختار قبورًا محددة معروفة عندهم بالأسماء، يعتقدون أن لأصحابها صلةً بالنبي ﷺ، وأن هذه الصلة تحقق لهم مرادًا. فينادي أهلها، ويطلب ويتوسل بهم، ويأخذ من ترابها، وينثر من طعامه ما آثرهم به على نفسه الجائعة، على ما تبقى من نتوءات ترابها، ويأخذ شريطًا من خِرَقٍ بالية قد وُضعت على تلك القبور، في أعوادٍ غُرِزت فيها على هيئة راياتٍ صغيرة قصيرة، فيربطها بيده أو عنقه!
وتعجبتُ فسألته: أما من مُنكرٍ أو ناهٍ؟
فقال: بل كان يُحث ويُدل على ذلك الفعل بهدف التداوي!
ثم أشرق نور التوحيد من جديد، وتقشع ظلام الجهل بنور العلم على يد الملك عبدالعزيز — رحمه الله — فعمَّ وانتشر، حتى لم يبقَ لتلك الجهالات والخرافات والشعوذات ملاذ. فانسلخت من الزمان كانسلاخ الليل من النهار، وانبلاج الفجر من المشرق بطرد الظلام، ليس في مكانٍ دون مكان، بل صارت السعودية كلها نقاءً لا يُشرك بالله فيها شيئًا.
ولعله من الخير والثبات عليه أن انقطع الوارد إلى هذه المقبرة حتى نُسيت، ونُسي من فيها إلا من ذِكرى باقية توشك هي أيضًا أن تُنسى، فكأني بالمطايا قد أُنيخت، والرحال قد جُهزت. والله المستعان.
أحمد مهنا الصحفي
مقالات سابقة للكاتب