في خضم الأزمات الكبرى لا تُقاس قوة الدول فقط بما تمتلكه من إمكانات عسكرية أو اقتصادية بل بما تتحلى به من حكمة سياسية وقدرة على إدارة التحديات بعقلانية تحفظ الأمن وتمنع الانزلاق نحو الفوضى ومن هذا المنطلق تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها دولة محورية لا تقف عند حدود حماية مصالحها الوطنية فحسب بل تمتد مسؤوليتها لتشمل محيطها الخليجي ودورها المؤثر في استقرار المنطقة بأكملها.
ومع حالة المد والجزر التي تشهدها الأزمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران حيث تتأرجح الأحداث بين تصعيد عسكري وضربات متبادلة ثم فترات تهدئة ومؤشرات على مفاوضات ومحاولات لاحتواء التوتر تتجه الأنظار إلى المملكة باعتبارها دولة ذات ثقل إقليمي ودولي كبير قادرة على قراءة المشهد من منظور أوسع من تقلبات اللحظة فالمملكة لا تنظر إلى الأزمات بعين الانفعال ولا تتعامل معها بمنطق ردود الأفعال السريعة بل بمنهج دولة تدرك أن المشهد المتغير يحتاج إلى اتزان وحكمة وبعد نظر.
المملكة منذ عقود تنتهج سياسة ثابتة تقوم على دعم الأمن والاستقرار وتعزيز الحلول السياسية ورفض أن تتحول المنطقة إلى مسرح مفتوح للصراعات المتكررة لأنها تدرك أن الحروب لا تترك آثارها على أطراف النزاع وحدهم بل تمتد تبعاتها إلى الشعوب والاقتصادات وأمن الطاقة وحركة التجارة الدولية ولهذا فإن الموقف السعودي في مثل هذه الظروف ينطلق من مسؤولية وطنية وإقليمية تحرص على احتواء الأزمات لا توسيعها وعلى خفض التصعيد لا تأجيجه.
وفي محيطها الخليجي يتجسد الدور السعودي بصورة أكثر وضوحًا فالمملكة لم تكن يومًا مجرد دولة ضمن منظومة مجلس التعاون الخليجي بل كانت دائمًا الركيزة الأساسية في ترسيخ مفهوم الأمن الخليجي المشترك والإيمان بأن أمن دول الخليج كلٌ لا يتجزأ وأن أي تهديد يستهدف دولة خليجية إنما يستهدف استقرار المنظومة بأكملها ومن هنا يأتي الدور السعودي كقوة توازن تعمل على تعزيز التنسيق الخليجي وتوحيد المواقف السياسية والأمنية في أوقات التوتر.
وفي أجواء الصراعات الكبرى تصبح الحاجة إلى دولة بحجم المملكة أكثر إلحاحًا لما تمثله من ثقل سياسي وعلاقات دولية واسعة وقدرة على التحرك الدبلوماسي المؤثر فالسعودية لا تتحرك بمنطق الاصطفافات العابرة بل بمنطق الدولة التي تدرك أن الحكمة ليست حيادًا سلبيًا بل موقف قوة يهدف إلى حماية المصالح ومنع اتساع دوائر الخطر وهذا ما يجعلها مصدر اطمئنان لشعوب الخليج وشريكًا رئيسيًا في صياغة مواقف متزنة تحفظ أمن المنطقة.
كما أن المملكة تدرك أن التحديات الحديثة لم تعد عسكرية فقط بل تشمل الاقتصاد والطاقة والاستثمار والأمن البحري وسلامة الممرات الحيوية لذلك فإن دورها لا يقتصر على الجانب السياسي بل يمتد إلى الحفاظ على استقرار الأسواق العالمية وتعزيز الثقة الدولية بقدرة المنطقة على تجاوز الأزمات بأقل الخسائر الممكنة وهو ما يعكس نضج السياسة السعودية في التعامل مع الملفات المعقدة.
وفي ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حفظهما الله تواصل المملكة ترسيخ نهج الدولة القوية الحكيمة التي تجمع بين حماية أمنها الوطني وتعزيز شراكاتها الدولية والوقوف مع أشقائها في الخليج انطلاقًا من مسؤولية تاريخية ومكانة سياسية كبيرة.
إن المملكة وهي تواجه هذا المشهد الإقليمي المضطرب لا تتحرك بمنطق الانفعال بل بمنطق الدولة التي تعرف أن القوة الحقيقية ليست فقط في القدرة على المواجهة بل في القدرة على منع الانفجار وحماية الاستقرار وصناعة التوازن.
ولهذا لم يكن مستغربًا أن تبقى المملكة في نظر العالم صمام أمان الخليج وحكمة المنطقة لأن الدول الكبرى لا تُعرف فقط بحجم تأثيرها بل بقدرتها على أن تكون صوت العقل حين يعلو ضجيج الحرب وقوة الاتزان حين تتسارع الأزمات ومصدر الطمأنينة حين تضطرب الجغرافيا.
اللهم احفظ وطننا المملكة العربية السعودية قيادةً وشعبًا واجعل هذا الوطن دائمًا دار عز ومجد وأمان 🇸🇦💚
مقالات سابقة للكاتب