نظرات العين الشاكرة

ثَمَّةَ لحظةٌ يسكنُ فيها صخبُ الوجود،وتتطاولُ فيها الأرواحُ لتلامسَ سدرةَ اليقين،فإذا بصغائرِ الأماني تذوبُ كما يذوبُ الملحُ في لُجَّةِ البحر،وإذا بهمومِ البشرِ تتقزَّمُ حتى تتلاشى عند عتبةِ “الوهَّاب”.
ذلك العظيمُ الذي يُعطي ليُدهش، ويمنعُ ليُهذِّب، ويقبضُ ليزرعَ في القلبِ شوقًا إليه، ويدبِّرُ الأقدارَ بلطائفَ خفيةٍ لو كُشفتْ للقلوبِ لذابت حياءً، ولأمطرتِ الأرواحُ حمدًا لا ينقطع.
﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: 34].
أيُّها الباكي عند بابٍ أُغلق… هل أبصرتَ كم بابًا فُتح لك من غيرِ حولٍ منك ولا قوة؟
وأيُّها المنهكُ من وجعِه… هل تأملتَ نعمَ اللهِ التي تحيطُ بك حتى صارتْ لك من فرطِ اعتيادِها كأنها لا تُرى؟
تلك العينُ التي أرهقتها دموعُ الحرمان… مَن الذي نثرَ فيها نورَ الإبصار؟
وهذا القلبُ الذي أوجعتهُ الحياة… مَن الذي يُرسلُ نبضَه برحمةٍ لا تنام؟
ومن الذي أطعمكَ حين جعت، وآواكَ حين ضاقت بك الأرض، وستركَ حين زللت، وأمهلكَ حين قصَّرت؟
لقد علَّمنا رسولُ الله ﷺ أنَّ الامتنانَ مقامُ عبودية، فكان يقول:
«الحمدُ للهِ الذي أطعمنا وسقانا، وكفانا وآوانا، فكم ممن لا كافيَ له ولا مُؤوي» رواه مسلم.
إنَّ أحزانَنا — مهما اشتدَّت — ليست إلا قطرةً في بحرِ نعمائه.
نحنُ نُجيدُ عدَّ جراحِنا؛ لأنَّ لها أنينًا يُسمع، لكن من يطيقُ عدَّ الألطافِ وهي تجري في أيامِنا كجريانِ الدمِ في العروق؟
كم بلاءٍ صرفهُ اللهُ عنك وأنت لا تشعر؟
وكم نعمةٍ تعيشُ في ظلِّها حتى ظننتَها أمرًا عاديًا، وهي عند غيرك أمنيةُ عمر؟
فيا رب…
لا تجعل عتمةَ الابتلاءِ تحجبُ عنا ضياءَ نعمك،ولا تُنسِنا لطفك الخفيَّ في أقدارك،واجعل قلوبَنا شاكرةً لك في السراءِ والضراء، حتى نلقاك وألسنتُنا تلهج:

الحمدُ للهِ في كلِّ حال.

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *