ﻓﻮﺿﻰ اﻟﺤﻨﻴﻦ واﻟﺬﻛﺮﻳﺎت

ﻫﻨﺎك أﺷﻴﺎء ﻻ ﺗﻌﻮد ﻣﻬﻤﺎ ﺣﺎوﻟﻨﺎ… ﻟﻜﻨﻬﺎ ﺗﺒﻘﻰ ﺣﺎﺿﺮة داﺧﻠﻨﺎ ﺑﻄﺮﻳﻘﺔ ﻏﺮﻳﺒﺔ.
ﻳﻜﻔﻲ أن ﻧﺴﻤﻊ ﺻﻮﺗﺎ ﻗﺪﻳﻤﺎ، أو ﻧﺸﻢ راﺋﺤﺔ ﻗﻬﻮة ﺗﺸﺒﻪ اﻟﻤﺎﺿﻲ، أو ﻧﻤﺮ ﺑﻤﻜﺎن ﻋﺮﻓﻨﺎه ﻳﻮﻣﺎ… ﺣﺘﻰ ﻧﺸﻌﺮ أن ﺷﻴﺌﺎ ﻛﺎﻣﻼ ﻋﺎد ﻟﻠﺤﻴﺎة داﺧﻠﻨﺎ.
وﻟﻬﺬا ﻛﺜﻴﺮا ﻣﺎ ﻧﺴﺄل أﻧﻔﺴﻨﺎ: ﻟﻤﺎذا ﻧﺤﺐ اﻟﻌﻴﺶ ﻓﻲ اﻟﺬﻛﺮﻳﺎت؟
وﻟﻤﺎذا ﻳﺸﺘﺪ اﻟﺤﻨﻴﻦ أﺣﻴﺎﻧﺎ رﻏﻢ أن اﻟﻤﺎﺿﻲ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻣﺜﺎﻟﻴﺎ ﺑﺎﻟﻜﺎﻣﻞ؟ اﻟﺤﻘﻴﻘﺔ أن اﻹﻧﺴﺎن ﻻ ﻳﺸﺘﺎق داﺋﻤﺎ ﻟﻸﺣﺪاث ﻧﻔﺴﻬﺎ…
ﺑﻞ ﻟﻤﺎ ﺷﻌﺮ ﺑﻪ ﺧﻼﻟﻬﺎ.

ﻗﺪ ﺗﻜﻮن اﻟﺬﻛﺮى ﻣﺮﺗﺒﻄﺔ ﺑﺒﻴﺖ اﻟﻌﺎﺋﻠﺔ، وﺑﺮاﺋﺤﺔ اﻟﺨﺒﺰ اﻟﻄﺎزج، وﺑﺼﻮت اﻟﺘﻠﻔﺎز وﻣﺎ ﻛﺎن ﻳﻌﺮﺿﻪ ﻣﻦ ﺑﺮاﻣﺞ وأﻓﻼم ﻗﺪﻳﻤﺔ ﻣﺎ زاﻟﺖ ﻋﺎﻟﻘﺔ ﻓﻲ اﻟﺬاﻛﺮة، وﻟﻤﺔ اﻹﻓﻄﺎر اﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻤﻨﺢ اﻟﺒﻴﺖ دﻓﺌﻪ، ودﻋﻮة أب ﻛﺎن ﻳﻜﺮرﻫﺎ ﻛﻞ ﺻﺒﺎح، ﺛﻢ ﻣﻀﺖ اﻷﻳﺎم وﺑﻘﻲ أﺛﺮﻫﺎ ﻳﺮاﻓﻖ اﻟﺮوح ﻛﻠﻤﺎ اﺷﺘﺪ اﻟﺤﻨﻴﻦ
وﻗﺪ ﺗﻜﻮن ﻣﺮﺗﺒﻄﺔ ﺑﻤﺪرﺳﺔ ﻗﺪﻳﻤﺔ…

ﺑﺠﺮس اﻟﻔﺴﺤﺔ، وأروﻗﺔ اﻟﺼﻔﻮف، ورﺳﻤﺔ ﻋﲆ ﻃﺎوﻟﺔ اﻟﺪراﺳﺔ، وﺿﺤﻜﺎت ﺻﺪﻳﻘﺎت اﻟﻄﻔﻮﻟﺔ، واﻷﻟﻌﺎب اﻟﺼﻐﻴﺮة اﻟﺘﻲ ﻛﻨﺎ ﻧﻌﻮد ﻟﻬﺎ رﻏﻢ ﺑﺴﺎﻃﺘﻬﺎ.
وأﺣﻴﺎﻧﺎ ﻻ ﺗﻜﻮن اﻟﺬﻛﺮى ﻣﻜﺎﻧﺎ أو زﻣﻨﺎ ﻛﺎﻣﻼ، ﺑﻞ ﻣﻮﻗﻔﺎ ﻋﺎﺑﺮا… ﻗﺪ ﺗﻜﻮن ﻛﻠﻤﺔ اﺳﺘﻘﺮت ﻓﻲ اﻟﻘﻠﺐ، أو ﺷﻌﻮرا ﺻﺎدﻗﺎ ﻻ ﻳُﻨﺴﻰ.
وﻟﻬﺬا ﺗﺒﻘﻰ ﺑﻌﺾ اﻟﺘﻔﺎﺻﻴﻞ اﻟﺼﻐﻴﺮة ﺣﻴّﺔ داﺧﻠﻨﺎ أﻛﺜﺮ ﻣﻦ أﺣﺪاث ﻛﺒﻴﺮة ﻣﺮت ﻓﻲ ﺣﻴﺎﺗﻨﺎ.

ﻓﺎﻟﺬاﻛﺮة اﻟﺒﺸﺮﻳﺔ ﻻ ﺗﺤﺘﻔﻆ ﺑﻜﻞ ﺷﻲء ﻛﻤﺎ ﺣﺪث ﻓﻌﻼ، ﺑﻞ ﺗﻨﺘﻘﻲ ﻣﺎ ﻳﻼﻣﺲ ﻣﺸﺎﻋﺮﻧﺎ واﺣﺘﻴﺎﺟﺎﺗﻨﺎ اﻟﻨﻔﺴﻴﺔ، وﻟﺬﻟﻚ ﻗﺪ ﻧﺘﺬﻛﺮ ﻟﺤﻈﺔ ﻗﺼﻴﺮة ﺟﺪا ﻷﻧﻬﺎ ﻻﻣﺴﺖ ﺷﻌﻮرا ﻋﻤﻴﻘﺎ ﻓﻲ داﺧﻠﻨﺎ.
وﻓﻲ ﻛﺜﻴﺮ ﻣﻦ اﻷﺣﻴﺎن، ﻻ ﻳﻜﻮن اﻟﺤﻨﻴﻦ ﻟﻠﻤﺎﺿﻲ ﻧﻔﺴﻪ… ﺑﻞ ﻟﻠﻨﺴﺨﺔ اﻟﻘﺪﻳﻤﺔ ﻣﻨﺎ.
ﻧﺸﺘﺎق ﻷﻳﺎم ﻛﻨﺎ ﻓﻴﻬﺎ أﺧﻒ ﻗﻠﺒﺎ، أﻗﻞ ﻗﻠﻘﺎ، وأﻛﺜﺮ ﻋﻔﻮﻳﺔ.

ﻧﺸﺘﺎق ﻟﺸﻌﻮر اﻷﻣﺎن، وﻟﻄﺮﻳﻘﺔ رؤﻳﺘﻨﺎ ﻟﻠﺤﻴﺎة آﻧﺬاك، ﺣﺘﻰ ﻟﻮ ﻛﺎﻧﺖ اﻟﻈﺮوف ﻧﻔﺴﻬﺎ ﻟﻴﺴﺖ ﻣﺜﺎﻟﻴﺔ ﺑﺎﻟﻜﺎﻣﻞ. ﻓﺎﻹﻧﺴﺎن أﺣﻴﺎﻧﺎ ﻻ ﻳﻔﺘﻘﺪ اﻟﺰﻣﻦ ﺑﻘﺪر ﻣﺎ ﻳﻔﺘﻘﺪ ﻧﻔﺴﻪ داﺧﻠﻪ.
ﻛﻤﺎ أن ﺿﻐﻮط اﻟﺤﻴﺎة اﻟﺤﺎﻟﻴﺔ ﺗﺠﻌﻞ اﻟﻌﻘﻞ ﻳﻌﻮد ﻟﻠﻤﺎﺿﻲ ﺑﻮﺻﻔﻪ ﻣﺴﺎﺣﺔ ﻧﻔﺴﻴﺔ أﻛﺜﺮ ﻫﺪوءا، ﻓﻴﻠﺠﺄ اﻹﻧﺴﺎن ﻟﻠﺬﻛﺮﻳﺎت ﺑﺤﺜﺎ ﻋﻦ اﻟﻄﻤﺄﻧﻴﻨﺔ أو اﻟﺘﻮازن اﻟﻌﺎﻃﻔﻲ.

وأﺣﻴﺎﻧﺎ ﻳﺼﺒﺢ اﻟﺤﻨﻴﻦ وﺳﻴﻠﺔ ﻫﺮوب ﻣﺆﻗﺘﺔ ﻣﻦ ﺛﻘﻞ اﻟﻮاﻗﻊ، ﻓﻨﻌﻮد ﻟﻠﻤﺎﺿﻲ ﻷﻧﻨﺎ ﻧﺤﺘﺎج أن ﻧﺸﻌﺮ ﺑﺄﻧﻨﺎ ﻣﺎ زﻟﻨﺎ ﺑﺨﻴﺮ، أو ﻷن اﻟﺬﻛﺮﻳﺎت ﺗﻤﻨﺤﻨﺎ إﺣﺴﺎﺳﺎ ﺑﺎﻟﺪفء وﺳﻂ ازدﺣﺎم اﻟﻤﺸﺎﻋﺮ.

وﻟﻬﺬا ﻳﺮى ﺑﻌﺾ اﻟﻤﺨﺘﺼﻴﻦ أن اﻟﺤﻨﻴﻦ ﻗﺪ ﻳﻌﻤﻞ أﺣﻴﺎﻧﺎ ﻛﺂﻟﻴﺔ ﻧﻔﺴﻴﺔ ﺗﺴﺎﻋﺪ اﻹﻧﺴﺎن ﻋﲆ ﺗﻨﻈﻴﻢ ﻣﺸﺎﻋﺮه واﺳﺘﻌﺎدة ﺷﻌﻮره ﺑﺎﻷﻣﺎن اﻟﺪاﺧﻠﻲ، ﻣﺎ دام ﺑﻘﻲ ﻓﻲ ﺣﺪوده اﻟﻄﺒﻴﻌﻴﺔ وﻟﻢ ﻳﺘﺤﻮل إﱃ اﻧﻌﺰال ﻋﻦ اﻟﺤﺎﺿﺮ.
ﻟﻜﻦ رﻏﻢ ﺟﻤﺎل اﻟﺬﻛﺮﻳﺎت…

ﻓﺈن اﻹﻓﺮاط ﻓﻲ اﻟﺘﻌﻠﻖ ﺑﻬﺎ ﻗﺪ ﻳﺠﻌﻞ اﻹﻧﺴﺎن ﻳﻌﻴﺶ داﺧﻞ ﻣﺎ ﻣﻀﻰ، وﻛﺄن اﻟﺤﻴﺎة اﻟﺠﻤﻴﻠﺔ اﻧﺘﻬﺖ ﻫﻨﺎك ﻓﻘﻂ. وﻫﻨﺎ ﺗﻜﻤﻦ اﻟﻤﺸﻜﻠﺔ.
ﻓﺎﻟﺬﻛﺮﻳﺎت اﻟﺠﻤﻴﻠﺔ ﻟﻴﺴﺖ ﻣﻜﺎﻧﺎ ﻟﻠﺴﻜﻦ اﻟﺪاﺋﻢ، ﺑﻞ ﻣﺤﻄﺔ ﻧﺘﺄﻣﻠﻬﺎ ﺑﻠﻄﻒ، وﻧﺄﺧﺬ ﻣﻨﻬﺎ اﻟﻤﻌﻨﻰ واﻟﺪفء، ﺛﻢ ﻧﻮاﺻﻞ اﻟﺴﻴﺮ. ﻷن اﻟﺤﻴﺎة ﻻ ﺗُﺨﺘﺼﺮ ﻓﻲ زﻣﻦ واﺣﺪ، واﻹﻧﺴﺎن ﻻ ﻳُﺨﺘﺼﺮ ﻓﻲ ﻧﺴﺨﺔ ﻗﺪﻳﻤﺔ ﻣﻨﻪ ﻣﻬﻤﺎ أﺣﺒﻬﺎ.

ورﺑﻤﺎ أﺟﻤﻞ ﻣﺎ ﻳﻤﻜﻦ أن ﻧﻔﻌﻠﻪ ﻣﻊ اﻟﺤﻨﻴﻦ… أن ﻧﻔﻬﻤﻪ دون أن ﻧﻐﺮق ﻓﻴﻪ، وأن ﻧﺼﻨﻊ ﻓﻲ ﺣﺎﺿﺮﻧﺎ أﻳﺎﻣﺎ ﺗﺴﺘﺤﻖ أن ﺗﺼﺒﺢ ﻳﻮﻣﺎ ﻣﺎ ذﻛﺮﻳﺎت ﺟﻤﻴﻠﺔ أﺧﺮى .

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *