سَيْفُ الضَّعِيفِ

«وَسَيْفُ الْكَلِمَاتِ بَاتِرٌ مُزْهِقٌ، يَسُنُّهُ ضُعَفَاءُ النُّفُوسِ وَمَرْضَى الْخُلُقِ؛ فَالتَّهَكُّمُ آفَةٌ قَتَلَتْ بِالْحُرُوفِ، وَأَوْرَدَتْ كَلِمَتُهَا الْحُتُوفَ.

وَالْغِيبَةُ سِلَاحُهَا الْجُبْنُ، وَمَنْبَعُهَا الْوَهْنُ، وَمَدَارُهَا الْحَسَدُ.

وَالنَّمِيمَةُ ظَاهِرُهَا الصِّدْقُ، وَبَاطِنُهَا مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ.

وَكَمْ مِنْ سُطُورٍ زَوَّرُوهَا بِالطِّبَاقِ، وَجَمَّلُوهَا بِالْجِنَاسِ، وَرَصَّعُوهَا بِالسَّجْعِ، وَلَكِنَّهَا السَّمُّ الزُّعَافُ وَالنَّفْثُ الْخَفِيُّ.

الْكَلِمَاتُ كَبَّتِ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ وَمَنَاخِيرِهِمْ فِي النَّارِ؛ (ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ -أَوْ قَالَ: عَلَى مَنَاخِيرِهِمْ- إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟!) [أخرجه الترمذي وصححه].

الْمُنَافِقُ يَتَكَلَّمُ فَيُفْسِدُ دِينَهُ وَدُنْيَاهُ، وَكَلِمَةُ الْكُفْرِ صِرَاطُ الْجَحِيمِ، وَحُرُوفُ الشِّرْكِ دَرْكُ النَّارِ.

بِالْكَلِمَاتِ -الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ- تُبْنَى الْأُسْرَةُ، وَتُحَاطُ بِمِيثَاقٍ غَلِيظٍ هُوَ الْكَلِمَاتُ، وَبِالْكَلِمَاتِ تُهْدَمُ الْأُسْرَةُ وَتَتَشَتَّتُ بِالطَّلَاقِ وَهُوَ كَلِمَاتٌ.

بِهَا تُفْرَى الْفِرَى، ﴿إِنَّما يَفتَرِي الكَذِبَ الَّذينَ لا يُؤمِنونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الكاذِبونَ﴾ [النحل: 105].

وَتُنْتَهَكُ الْحُرُمَاتُ، وَتُقْذَفُ الْمُحْصَنَاتُ، ﴿إِذ تَلَقَّونَهُ بِأَلسِنَتِكُم وَتَقولونَ بِأَفواهِكُم ما لَيسَ لَكُم بِهِ عِلمٌ وَتَحسَبونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظيمٌ﴾ [النور: 15].

وَشَهَادَةُ الزُّورِ كَلِمَاتٌ، حَذَّرَ مِنْهَا النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: (أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ: لَا يَسْكُتُ) [أخرجه البخاري ومسلم].

يَكْتُبُ الشَّاعِرُ قَصِيدَةً يَهْدِمُ فِيهَا عَرْشَ قَبِيلَةٍ، وَيُطْفِئُ مَجْدَ عَشِيرَةٍ، وَبِلِسَانِهِ قُتِلَ طَرَفَةُ.

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُتَّقَى فُحْشُهُ وَيُسْتَدْفَعُ قُبْحُهُ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يَا عَائِشَةُ، إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ) [أخرجه البخاري ومسلم].

قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَقَدْ أَمْسَكَ بِلِسَانِ نَفْسِهِ: «هَذَا الَّذِي أَوْرَدَنِي الْمَوَارِدَ» [أخرجه مالك في الموطأ].

الْكَذِبُ تُكَوِّنُهُ حُرُوفُ الْغِلِّ وَالْوَهْنِ وَالْغِشِّ، وَهُوَ الدَّاءُ الْعُضَالُ.

السُّخْرِيَةُ حُرُوفُ قَتْلِ صَاحِبِهَا قَبْلَ غَيْرِهِ، فَلَمْ يَمْلِكْ أَنْ سَخِرَ مِنْ نَفْسِهِ: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود: 38].

الْجَدَلُ بِالْبَاطِلِ عُقْمُ الْعَقْلِ تَفْضَحُهُ حُرُوفٌ عَقِيمَةٌ: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [الكهف: 56].

السِّبَابُ سَفَاهَةُ الْكَلِمَاتِ؛ فَالْحُرُوفُ وَالْكَلِمَاتُ وَالسُّطُورُ وَالْمَخَارِجُ وَالْفَمُ وَاللِّسَانُ أَحَدُ أَخْطَرِ الظَّلَمَةِ وَالْقَتَلَةِ وَالْمُفْسِدِينَ.

فَهَلْ مَرِيضٌ مُعَالِجٌ نَفْسَهُ، وَسَقِيمٌ حَابِسٌ حَرْفَهُ، وَزَمِنٌ آخِذٌ بِطَرَفِ لِسَانِ نَفْسِهِ، وَطَرِيحٌ مُتَجَرِّعٌ دَوَاءَ الْعَافِيَةِ؟!

فَالْعَاقِلُ يَزِنُ نَفْسَهُ قَبْلَ الْوَزْنِ يَوْمَ التَّلَاقِ.»

محمد بن أحمد بن سالم الشلاع

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *