حين يتحول الأب إلى مستشار أسرِي داخل منزله

كثير من الآباء والأمهات يظنون أن إصلاح الأبناء يحتاج دائمًا إلى مختص أسري أو مستشار نفسي، بينما يغفلون عن حقيقة مهمة وهي أن التأثير التربوي اليومي داخل المنزل قد يكون أقوى من أي جلسة استشارية خارجية. فالأب الهادئ الحكيم، والأم الحانية المتفهمة، يستطيعان أحيانًا أن يحققا ما قد يعجز عنه المختص، لأنهما الأقرب إلى الأبناء والأعرف بشخصياتهم وظروفهم واحتياجاتهم. الحوار الهادئ ليس مجرد كلمات تُقال، بل هو جسر من الثقة يصل بين الآباء والأبناء. فعندما يشعر الابن أن والده يستمع إليه دون تهديد أو سخرية أو غضب، يصبح أكثر استعدادًا للاعتراف بأخطائه ومناقشة مشكلاته والبحث عن الحلول. أما حين يقابل كل خطأ بالصراخ والعقاب والتوبيخ، فإنه غالبًا يلجأ إلى الكذب أو الصمت أو إخفاء مشكلاته خوفًا من رد الفعل. ومن القصص الواقعية أن أحد الآباء اكتشف أن ابنه المراهق بدأ يرافق مجموعة من رفاق السوء. كان بإمكانه أن يثور ويعاقب ويهدد، لكنه اختار طريقًا مختلفًا. جلس معه بهدوء، واستمع إليه لساعات، وتحدث عن مستقبله وأحلامه ومخاطر الطريق الذي يسلكه. لم ينتهِ الأمر في جلسة واحدة، بل احتاج إلى عدة حوارات متكررة. وبعد أشهر ابتعد الابن عن تلك الرفقة وعاد إلى دراسته. وعندما سُئل عن سبب تغيّره قال: “لأن أبي جعلني أشعر أنه معي وليس ضدي”. إن المختص الأسري يؤدي دورًا مهمًا بلا شك، خصوصًا في المشكلات المعقدة أو الحالات التي وصلت إلى مراحل متقدمة من الخلاف أو الانحراف. لكن كثيرًا من المشكلات البسيطة والمتوسطة يمكن احتواؤها مبكرًا داخل المنزل إذا توفر الحوار والاحتواء والهدوء وحسن الاستماع. الابن لا يحتاج دائمًا إلى من يحاسبه، بل يحتاج أحيانًا إلى من يفهمه. والبنت لا تحتاج في كل موقف إلى التوبيخ، بل إلى من يطمئنها ويمنحها الشعور بالأمان. وعندما ينجح الأب أو الأم في بناء هذه العلاقة، يصبح المنزل نفسه مركزًا للإرشاد والتوجيه والدعم النفسي. ولعل من أعظم الأخطاء التربوية أن يترك بعض الآباء أبناءهم سنوات طويلة دون حوار حقيقي، ثم يبحثون عن حلول سريعة عند وقوع المشكلة. فالثقة تُبنى بالتدريج، والحوار الناجح يحتاج إلى وقت وصبر وممارسة يومية. إن الأب الذي يجلس مع أبنائه، ويستمع لهم، ويحاورهم بهدوء، ويحتوي أخطاءهم قبل أن تتفاقم، قد يكون أفضل مستشار أسري لهم. فالكلمات الصادقة الخارجة من قلب أب محب أو أم حنون تملك تأثيرًا لا تستطيع أي شهادة أو دورة تدريبية أن تصنعه وحدها. فالأسرة التي يكثر فيها الحوار، يقل فيها اللجوء إلى الشكاوى، وتضعف فيها فرص الانحراف، ويكبر فيها الأبناء وهم يشعرون أن لديهم من يسمعهم قبل أن يحاسبهم، ومن يفهمهم قبل أن يحكم عليهم. مستشار اجتماعي  عبدالرحمن حسن جان مقالات سابقة للكاتب