تهافت الوعي المجتمعي أمام بريق الإثارة والأكشن الفكري.. (نظام الطيبات نموذجًا)

تخيل مجتمعاً يلتفت بكامله عن قاعة محاضرات تمتلئ بالعلماء والأبحاث الرصينة والمؤتمرات الموثقة، ليركض خلف رجل وحيد يقف في زاوية الشارع، يلوح بيديه ويصرخ في الجماهير بأن كل ما علموه لكم كذب، وأنه وحده يملك السر المطلق. هذا المشهد السينمائي ليس خيالاً مقتطعاً من رواية ديستوبية، بل هو الواقع الفكري المرير الذي نعيشه اليوم عبر منصات التواصل الاجتماعي وبعض المنصات الإعلامية، حيث تحولت الغرابة إلى عملة رابحة، وصار الخروج عن المألوف، حتى لو كان جهلاً مباداً، تذكرة سريعة لامتلاك عقول الجماهير واستلاب وعيها. إن الحالة الجدلية التي رافقت أطروحات نظام الطيبات الغذائي لم تكن مجرد زوبعة عابرة في فنجان الطب والتغذية، بل هي نموذج حي وصارخ يُدرّس في كيفية تهافت الوعي المجتمعي أمام بريق الإثارة وسيكولوجية الأكشن الفكري. في هذا السياق، يقدم الواعظ الجديد وصفة سحرية يقسم فيها الأكل إلى طيب وخبيث دون سند علمي رصين، ويطالب الناس بترك أدويتهم المزمنة، وبدلاً من أن يواجه بنقد عقلاني حاد، يلتف حوله جيش من الأتباع يدافعون عن الأطروحة وكأنها نص مقدس. والسبب في هذا الاندفاع يكمن في الطبيعة النفسية للبشر؛ فالإنسان بطبعه يمل الرتابة، والمنهج العلمي رتيب وممل ومليء بالشروط والتعقيدات والاحتمالات، بينما الخرافة ممتعة وحاسمة وتقدم الحل السحري في غلاف من الغرابة، وتغذي عشق نظرية المؤامرة وفكرة النخبوية المحظوظة التي اكتشفت خداع مافيا الأدوية، مما يوفر جرعة عالية من الأدرينالين الفكري تسمى وهم التفوق المعرفي، حيث يمنح الفرد إحساساً زائفاً بالامتياز لمجرد أنه يمتلك سراً يجهله عامة الناس والمختصون. هذا النمط من التفكير السطحي لا يتوقف عند حدود الطبق الغذائي وشيطنة المؤسسة الطبية، بل هو امتداد لعدوى فكرية أوسع تتمدد في كل مجال علمي لتصنع لنفسها أدعياء وكلمنجية يتبعهم الغوغاء والعامة. والمفارقة التاريخية هنا أن هؤلاء الأدعياء ليسوا بالضرورة أشخاصاً لم يفتحوا كتاباً قط؛ بل يقودهم في كثير من الأحيان نمط أخطر: شخص قرأ بنهم شديد عن وهمه الخاص، والتهم صفحات تلو الصفحات بغير دراسة منهجية، ولا تلمذة حقيقية، ولا علم يؤطر وعيه. لقد تحول هذا الأدعي بقرصنته الفكرية إلى مريض وممسوس بما قرأ؛ فالعقل الذي يلتهم الكتب بلا غربال نقدي يصاب بـ "تسمم معرفي"، حيث تلتصق الأوهام بذهنه لتصبح حقائق مطلقة يقاتل دونها، ويتحول شغفه بالقراءة إلى هوس مرضي يعيد من خلاله إنتاج الجهل بغلاف يبدو مثقفاً، متوهماً أن تكديس الأوراق والسطور في جوفه يغنيه عن أدوات التحقيق المعرفي. والأدهى من ذلك والأشد مرارة، أن هؤلاء الأدعياء والممسوسين معرفياً لم يعودوا منبوذين في زوايا الشوارع الخلفية، بل وجدوا لأسفهم الشديد منابر ومؤسسات وقنوات إعلامية تفتح لهم أبوابها على مصراعيها وتصدرهم للعامة. لقد تخلت بعض هذه المؤسسات عن دورها التنويري والأخلاقي لتقع في فخ اللهاث وراء "الأكشن" الرقمي ونسب المشاهدات العالية (التريند)؛ فصاحب الإثارة والغرابة يجلب المتابعين والعلانات، ولذلك يُمنح المنبر والصدارة تحت ذريعة التنوع أو حرية الطرح. وفي مقابل هذا الاحتفاء العبثي بالجهل الجريء، غُيب أهل الدراية والتخصص والعلماء الحقيقيون؛ غُيبوا تماماً لأن طرحهم متزن، دقيق، محكوم بالمنهج والشروط، وبالتالي فهو طرح لا "أكشن" فيه ولا غوغائية تثير شهية الجماهير الباحثة عن التسلية، ليتحول الإعلام في هذا المشهد من حارس للوعي إلى شريك في تزييفه من أجل حفنة من المشاهدات.ففي علوم الفلك والطبيعة، يتجلى هذا العبث في سراب من ينكرون كروية الأرض؛ إذ يقف أحد هؤلاء الممسوسين بكتب المؤامرات بكل ثقة ليعلن للعالم أن كل صور الأقمار الصناعية ورحلات الفضاء والفيزياء الفلكية ليست سوى مؤامرة كبرى حيكت في غرف مظلمة، وأن الأرض مسطحة تقف على حافة السكون. والعجيب أن عقلاً يعيش في العصر الرقمي ويمسك بيده هاتفاً ذكياً يتصل بالأقمار الصناعية نفسها، يعطل عقله بالكامل خلف تجربة بصرية قاصرة وشعار ظاهري سطحي يردد أنني أمشي ولا أرى انحناءً، إذن الأرض مسطحة، في محاكمة بائسة للكون المعقد بناءً على حس ظاهري مباشر التقطه من صفحات كتاب مجهول أو مقطع عابر غرس في ذهنه المرضي واقعه الخاص.وفي مشهد موازٍ لا يقل فوضوية، يمتد هذا التسطيح وهوس القراءة العشوائية ليعبث بالهوية والتاريخ المكتوب والجغرافيا التاريخية للبلدان والأقاليم، حيث يطل عبر الشاشات والمنابر التي استكتبته مدعي أنساب يظن نفسه متبحراً لمجرد أنه جمع شتات معلوماته من كتب متناثرة دون فهم لعللها وسياقاتها، ليمتشق سلاح الجرأة اللفظية ويعلن أنه جاء ليعيد كتابة التاريخ وتصحيح المرويات. فتراه يمسك بشخصية تاريخية غابرة، أجمع المؤرخون الثقات وأنصفتها الوقائع والمصادر الرصينة بالقبح والدموية، فيبدأ في غسل سمعتها وتجميل ملامحها المشوهة لتبدو جميلة في ذهنه المريض والموسوس وفي ذهن أتباعه فقط، لا لشيء إلا لأن تلك الشخصية تلتقي معه في عصبية قبلية ضيقة، مختزلاً أمّة وتاريخاً مدوناً في رغبة بانتصار وهمي لذاته ولقبيلته، ليتحول التاريخ في فضائه الرقمي والإعلامي من علم استقصائي دقيق إلى ساحة للمهرجين والتهريج المزين بغلاف الكتب المقروءة خطأً. ولا يقتصر طابور الأدعياء الممسوسين بالقراءات المبتورة على الفلك والتاريخ، بل يمتد إلى زوايا أخرى من هذا المسرح العبثي، حيث يبرز مدعو علوم الطاقة الحيوية والكونية الزائفة، الذين أصيبوا بمس الهوس بالروحانيات الحديثة وقراءة كتيبات الترجمة التجارية، وتستضيفهم البرامج الحوارية ليرتدوا مسوح الحكماء ويبيعوا الوهم عبر الادعاء بأن ذبذبات الكون والشاكرات يمكنها شفاء الأمراض أو جلب الثروات بقانون الجذب دون عمل، مستخدمين مصطلحات فيزيائية معقدة مثل ميكانيكا الكم التقطوها من قراءات مبتورة ليسوقوها في غير موضعها لدغدغة مشاعر العاجزين. وبجوارهم يقف أدعياء التحليل المالي في علم الاقتصاد، الذين حفظوا بضعة مصطلحات من كتب الاقتصاد الشعبي ليطلوا عبر الشاشات ويفكوا طلاسم الاقتصاد العالمي في مقطع مدته دقيقة واحدة، موزعين صكوك الثراء السريع ومقنعين العامة بالدخول في دهاليز استثمارية شديدة الخطورة بناءً على تخمينات وقصص خرافية لا تستند إلى مؤشرات حقيقية، مسببين كوارث مالية للمنساقين خلفهم من الغوغاء والباحثين عن السهولة المعرفية التي تجد رواجاً هائلاً عند جمهور يرفض عناء البحث والتحقق، ويفضل أن يُقاد من قِبل الأعلى صوتاً والأكثر إثارة. إن الأزمة الحقيقية في كل هذه المشاهد لا تكمن في مجرد وجود الأطروحات الشاذة، بل في تواطؤ بعض المنصات والمؤسسات التي توفر لها الشرعية، وفي آلية استقبال الجماهير لها وعشوائية التلقي التي تتسم بالاعتماد على الشهادات الفردية والدليل القائم على الحكاية بدلاً من الأبحاث والمصادر المحكمة. يصاحب ذلك تعطيل كامل لأدوات الفلترة والعجز عن التمييز بين الأهلية المعرفية للمتحدث وبين علمية المادة التي يطرحها؛ فالصوت المرتفع وتصدير المؤسسات له والتبجح بقدر من القراءة العشوائية الممسوسة بالأوهام لا يمنح الحصانة من الكذب والتزييف. ويأتي الانحياز التأكيدي والعاطفي ليتوج هذه المأساة، حيث تجعل رغبة المتلقي في سماع ما يرضي كبرياءه القبلي، أو ما يمنحه أملاً كاذباً بالتخلص من عبء مرض مزمن، يغلق عينيه تماماً عن أي تحذير علمي أو تاريخي رصين. وفي المحصلة، فإن ظاهرة نظام الطيبات، وفكرة الأرض المسطحة، وعبث الكلمنجية بالأنساب والتاريخ، ودكاكين الطاقة والبلدانيات المزيفة، ليست إلا وجوهاً لعملة واحدة تعكس فجوة عميقة بين تسارع أدوات النشر الرقمي وبطء نمو الوعي النقدي في المجتمع، وتواطؤ رأس المال الإعلامي مع التفاهة والإثارة. لقد أصبح من السهل جداً تسييد الخرافة وتزييف الوعي إذا لُفت برداء ديني، قبلي، أو شعبوي مألوف ووجدت لها منبراً رسمياً يتبناها، ليتحول الجهل الجريء المدفوع بمس القراءة المبتورة والهوس النفسي إلى بديل علمي، ويدفع المجتمع ثمن هذه العشوائية من صحته الفكرية والجسدية والتاريخية. إن مواجهة هذه الفوضى العارمة لا تكون بمجرد مهاجمة الأشخاص، بل ببناء حصانة فكرية حقيقية لدى المتلقي، ومطالبة المؤسسات بمسؤوليتها الثقافية، وتعزيز مهارات التفكير النقدي التي تجعل الفرد يسأل عن الدليل والبرهان والمصدر الموثق قبل أن ينساق خلف بريق الإثارة والشعارات البراقة، لئلا نسير عمياناً في فلك من يساقون وراء سراب التسطيح، سواء كان تسطيحاً للأرض، تزييفاً للتاريخ، أو تسطيحاً مأساوياً للعقول. د. مهدي نفاع بن مسلم 24 ذو الحجة مكة المكرمة مقالات سابقة للكاتب