خليص في التاريخ المنسي ( 53 )

قراءة في الذاكرة سنخرج من الممر الضيق، الطويل والشائك، (خليص الجغرافية والتاريخ) إلى فضاءات أرحب؛ حيث تتسع الرؤية، وتتحرر اللغة، (الظاهرة الاجتماعية والسياق الثقافي). بمعنى مكشوف: نأخذ إجازة من مزاد التاريخ، وبضاعة «قيل وقال»! كتبت عهود عريشي في مجلة اليمامة بتاريخ 4 / 6 / 2026م ما نصه: «فيروز وطن من الخيال والموسيقى يستوي فوق عالمنا، نشعر به ونحلم؛ لكننا لا نعيش فيه. شيء يشبه الفردوس. خلقت لنا هذه السيدة ذاكرة ملونة». ثم تسأل: كيف يكون عالمنا لولا صوت فيروز؟ وتجيب: «سيكون أكثر عتمة!». وما قالته عهود بقايا من ذكرى باهتة نستعيد حضورها كلما خاصمنا الحنين على انبهارنا بما طغى على ذائقتنا من اختلال أفقدها صواب الفرز بين الورد الطبيعي والصناعي؛ فانساقت للسهولة المريحة وغواية المعروض من المثير والشهي. ماتت أم كلثوم معلنة انتهاء جيل سيدات الطرب، ومن بقي حيًا – مثل فيروز – اختلى في عزلته وترك مقعده فارغًا. ولم يكن لجيل الطيبين علاقة بأم كلثوم وفيروز؛ فغناء أم كلثوم يحتاج إلى طاقة نشطة ومحفزة للمخيلة، لم تعشها الأوائل، وإن مرت بهم – في لحظة من نهار أو ليل – صرفوها في «الكسرة»، ذلك الفن الحدري الحزين الباكي. وثمة ما يعيقهم من العمل الشاق والمرهق من الأصباح حتى الأماسي؛ فلا فائض وقت، ولا قدرة على السهر. ولم تكن فيروز صالحة لذائقتهم من حيث اللغة والمعنى، واتساع المخيلة، ومساحة الجماليات في النص والمغنى؛ لذا لم يكن لأم كلثوم وفيروز حضور عند أهلنا في خليص. استبد بذائقة قرى وبوادي الحجاز، ومنها خليص، مغنيات من طراز شعبي. «عندما بدأت الإذاعات تنتشر في الخمسينيات والستينيات، كانت البادية تبحث عما يشبهها في الصورة والصوت؛ فجاءت سميرة توفيق بأغانٍ تمجد الصحراء والخيل والهجن والفرسان والكرم. ظهرت سميرة توفيق مرتدية الأزياء البدوية المطرزة، وتمتطي الخيل أحيانًا، وتظهر وسط الخيام والفرسان. كانت تقدم صورة رومانسية للبادية جعلت كثيرًا من أبناء البادية يرون أنفسهم ممثلين في الفن العربي. وفي ذلك الوقت لم يكن هناك عدد كبير من الفنانين يتوجهون إلى الجمهور البدوي بهذا الوضوح؛ لذلك احتلت مساحة واسعة في الذاكرة الشعبية، وأصبحت حاضرة في المجالس والرحلات وأجهزة التسجيل. ولهذا فإن كثيرًا من كبار السن لا يتحدثون عنها باعتبارها مطربة فقط، بل باعتبارها جزءًا من ذاكرة زمن كامل. ويمكن القول إن أبناء البادية لم يعشقوا سميرة توفيق لشخصها فقط، بل لأنهم وجدوا في صوتها وصورتها انعكاسًا لعالمهم وقيمهم في زمن كانت وسائل الإعلام الحديثة تدخل الصحراء لأول مرة؛ فأصبحت جزءًا من الذاكرة الشعبية، تمامًا كما أصبحت الربابة وقصائد المحاورة وأحاديث السمر جزءًا من ذاكرة الجيل». كانت بحق «فاتنة البادية»، ذلك اللقب الذي توجها به الشارع العربي. وحتى تتخيل سعة المسافة بين امرأة سكنت قلوب الرجال ورفع لها العقال، وامرأة كعطر تجد أردأه في أحسن قواريره؛ عليك أن تلاحظ الفرق بين: «يلا صبوا هالقهوة وزيدوها هيل» و«يا صبابين الشاي زيدوا حالاته»، فيستبين لك أن النسق الثقافي تدرج في المنحنى في غياب الرقيب، وأن الناس توزعوا على مفارق الكلام بين الظن الآثم والظن الفطن، وما بينهما من مماحكات الممانعة والاستلاب ! محمد علي الشيخ مقالات سابقة للكاتب