لا تنقضوا ميثاق الإخوة

لكل أسرة ميثاقٌ غير مكتوب، يبدأ منذ اللحظات الأولى لتكوينها.
فالوالدان في كل أسرة هما عصب حياتها وقوامها بالنسبة للأبناء والبنات. تنشأ الأسرة بوجود الوالدين، ويرزقهما الله البنين والبنات، قال تعالى: ﴿يهب لمن يشاء إناثًا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانًا وإناثًا ويجعل من يشاء عقيمًا﴾.
فيحتضن الوالدان أبناءهما، ويعلمانهم كيف يكون الحب بين أفراد الأسرة، وكيف يخاف الأخ على أخيه وأخته، وكيف تكون الروابط قوية بينهم. فتكون طفولتهم في مكان واحد؛ ينامون معًا، ويأكلون من صحن واحد، ويشربون من كأس واحدة، ويلعبون ويضحكون بسعادة غامرة.
وربما تعاركوا، واشتكى الصغير من الكبير، وبكى، ونال المنتصر عقابه من أحد الوالدين، ثم يجمع أحد الوالدين الإخوة المتخاصمين ويقول لهم: «تسامحوا، فالإخوة لا يتضاربون».
ويعلمونهم كيف يحنو الكبير على الصغير، ويحترم الصغير الكبير، ويأخذون منهم العهد أمام الوالدين على التماسك والمحبة وعدم الاختلاف، وألا يسمحوا لأحد، قريبًا كان أو غريبًا، أن يفسد ما بينهم.
ويبقى ذلك العهد ميثاقًا موقعًا بالمحبة والدم والدموع.
حتى إذا غدوا رجالًا ونساءً تذكروا طفولتهم وما كان فيها، وتذكروا البيت الكبير الذي ملأه الوالدان حبًا وحنانًا وترابطًا.
يكبر الإخوة ويتفرقون، فكل منهم تزوج، وتلك تزوجت، وذهبوا إلى بيوت غير البيت الكبير الذي كان يجمع الأب والأم. ويصبحون متباعدين بعد أن كانوا لا يفترقون، ويغدو لقاؤهم في البيت الكبير بحسب ظروفهم وتفرغهم، وربما لا يجتمعون إلا في المناسبات.
ثم يرحل الوالدان عن الدنيا بلا موعد، ويبقى البيت الكبير فارغًا إلا من الذكريات. وقد يجتمع الإخوة بعد ذلك مرات ومرات، ثم يقل التقارب، ويضعف الوصال، ويبدأ بعضهم في نسيان ذلك العهد والميثاق الذي عقدوه وهم صغار بقلوبهم البريئة وعقولهم الصغيرة.
نسي بعضهم ذلك الميثاق مع أول مشكلة صغيرة، فتقوم الدنيا ولا تقعد، ويتفرق الإخوة ويتشتتون، ويتبدل الحب الذي كان يملأ القلوب إلى جفاء وخصام، وينشغلون بتوافه الأمور حتى تكبر في أعينهم وتصبح أخطاء لا تُغتفر.
فيصبحون شماتةً لمن يتربص بهم، وفرحةً لمن يتمنى فرقتهم وشتاتهم.
أيها الإخوة...
إياكم والفرقة بعد التماسك، وإياكم والخصومة بعد المحبة.
لا تورثوا أبناءكم الكره لأقاربهم من الأعمام والعمات، والأخوال والخالات.
إياكم أن ترحلوا عن الدنيا وبينكم خصومة أو غضب بسبب مال أو كلمة أو موقف كان من الممكن تجاوزه.
فما فائدة دمعة تسكبونها على قبور بعضكم؟
وماذا تُجدي كلمة: «سامحني يا أخي» أو «سامحيني يا أختي» حين تُقال فوق جثمانٍ مسجّى، قد غُطي بالأكفان؟
وماذا سيقول أبناؤكم وهم يرون هذه المشاهد في ساعة لا ينفع فيها الندم ولا البكاء؟
سأصرخ بأعلى صوتي لعل صرختي تصل إلى كل أسرة:
يا إخوة الدم والنسب... ارحموا أنفسكم، وارفقوا بقلوبكم، فما أسرع الموت، وما أشد ألم الفراق.
مقالات سابقة للكاتب