الهجرة النبوية.. كيف صنعت رحلة الهجرة أعظم تحول في التاريخ الإسلامي؟ (1 من 2)

في هذه الأيام يتذكر المسلمون هجرة رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة، ويتذكرون معها دروسًا وأحداثًا عظيمة ارتبطت بحياة الرسول ﷺ ودعوة الحق التي حملها من مكة إلى المدينة. لقد كان رسول الله ﷺ على الحق، ويعرف ذلك معرفة اليقين، وكان كفار مكة، وخاصة معاندو الدعوة منهم، يعرفون حقيقة رسول الله ﷺ وصدق رسالته وما جاء به، كما يعرفون بطلان ما كانوا عليه من الشرك وعبادة الأوثان التي صنعوها بأيديهم. ومع ذلك استماتوا في الدفاع عنها، وأراقوا دماءهم، وأنفقوا أموالهم في سبيل باطل يعلمون بطلانه، لكنه الكبر والغطرسة ورفض الحق. وكم في زماننا من يحمل باطلًا ويدافع عنه بكل ما أوتي من قوة، وهو يعلم أنه على غير هدى. كان رسول الله ﷺ يعرض نفسه على القبائل قبل الهجرة؛ ليجد ملجأ يؤويه وأصحابه وما يحملونه من دعوة، ورغم قلة الأسباب المادية الظاهرة في نظر الناس، فإنه لم يقبل ما يحد الدعوة أو يربطها بقوم أو وطن معين. فعندما عرضت بعض القبائل النصرة بشروط تقيد الدعوة أو تستثني بعض المواجهات، رفض ذلك ﷺ، لأن رسالته عالمية، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. ولذلك فإن الأنصار رضي الله عنهم حين بايعوا الرسول ﷺ في العقبة لم يشترطوا مثل تلك الشروط، فأعلنوا النصرة الكاملة، فقبل ﷺ الهجرة إلى المدينة بعد أن وجد فيها البيئة الصادقة الحاضنة للدعوة. لقد كان ﷺ يرنو ببصره إلى بناء دولة الإسلام، ويخطط لها وفق ما وعده الله سبحانه وتعالى من النصر والتمكين. فأخذ يخفي خبره عن قريش، ويرتب للرحلة بدقة، ويتخذ جميع الأسباب المادية التي تكفل نجاحها، مع أنه أكثر الناس توكلًا على الله. وهكذا يعلّم أمته أن التوكل الصادق لا يتعارض مع الأخذ بالأسباب، بل يكتمل به. وسعت قريش إلى منع رسول الله ﷺ من الخروج من مكة، ورتبت أقوياءها لقتله عند داره، ولكن الله نجاه من كيدهم. فخرج ﷺ ومعه صاحبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه متجهين نحو المدينة، ففزعت قريش وأطلقت حملات المطاردة، وجعلت الجوائز لمن يأتي به حيًا أو ميتًا. وهنا تتجلى معاني الثبات والثقة بالله؛ إذ يصل سراقة بن مالك قريبًا من رسول الله ﷺ وصاحبه، ويحاول اللحاق بهما، فتسيخ قدما فرسه في الأرض مرة بعد أخرى، حتى أيقن أن قوة الله تمنعه من الوصول إليهما. فطلب الحديث معهما، فأمنه رسول الله ﷺ، وكتب له أبو بكر رضي الله عنه كتاب أمان بأمر النبي ﷺ. ثم وقعت المفاجأة الكبرى؛ إذ بشره رسول الله ﷺ بأنه سيلبس يومًا ما سواري كسرى، أعظم ملوك الأرض آنذاك. إنها كلمات قيلت في وقت المطاردة والضعف الظاهر، لكنها كلمات الواثق بوعد الله، الذي لا يتخلف. وهكذا جسدت الهجرة النبوية أعظم معاني الإيمان والتخطيط والثبات، وقدمت نموذجًا خالدًا في التوكل على الله والأخذ بالأسباب. وللحديث بقية... أ. د. عبدالعزيز بن إبراهيم العُمري أستاذ السيرة النبوية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية (سابقًا) مقالات سابقة للكاتب