الهجرة النبوية.. من بناء المسجد إلى بناء الدولة والحضارة (2 من 2)

كانت هجرة رسول الله ﷺ فصلًا بين الحق والباطل، وإعلانًا لقيام دولة الإسلام، وتجميعًا للمؤمنين في المدينة، ورفضًا للظلم والاضطهاد، وانطلاقًا نحو بناء مجتمع يقوم على العقيدة والعدل والكرامة.
كما كانت الهجرة تغليبًا للمبدأ والدين على حب الوطن والمال والأهل، وتقديمًا لمرضاة الله سبحانه وتعالى على كل اعتبار دنيوي.
ولا تذكر الهجرة إلا ويذكر معها أبو بكر الصديق رضي الله عنه، صاحب رسول الله ﷺ في الرحلة والغار، الذي خصه الله بالذكر في كتابه الكريم بقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40]. وقد نال بذلك منزلة عظيمة لم يشاركه فيها أحد من الأمة.
وكان في المدينة يهود عرفوا أوصاف النبي ﷺ من كتبهم، فلما جاءهم عرفوه كما يعرفون أبناءهم، لكن الحسد والكبر منع كثيرًا منهم من الإيمان به واتباعه.
وفي المقابل، استقبل الأنصار رسول الله ﷺ بقلوب مؤمنة ونفوس كريمة، وآثروه والمؤمنين على أنفسهم، فاستحقوا الثناء الخالد في كتاب الله. وكانت مواقفهم مثالًا للتضحية والوفاء والنصرة الصادقة.
وكان أول عمل قام به رسول الله ﷺ بعد وصوله إلى المدينة بناء مسجد قباء، في دلالة عظيمة على أن بناء الأمة يبدأ من بناء الإيمان، وأن المسجد هو مركز العبادة والتربية والتوجيه وصناعة القرار.
ومن المسجد انطلقت الدولة الإسلامية الأولى، التي جمعت بين الدين والدنيا، والعبادة والعمل، والقيادة والعدل. وقد خرجت هذه المدرسة أعظم جيل عرفته البشرية، جيل الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، الذين أقاموا دولة العدل والرحمة والمساواة.
كما سعى رسول الله ﷺ إلى ترسيخ التلاحم بين المهاجرين والأنصار من خلال المؤاخاة التي قدمت نموذجًا فريدًا في الإيثار والتكافل الاجتماعي.
ولأهمية هذا الحدث العظيم، اتخذ الصحابة رضي الله عنهم في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه الهجرة النبوية بداية للتقويم الإسلامي، ليبقى هذا الحدث شاهدًا على مرحلة فارقة في تاريخ الأمة.
وقد سعدت المدينة المنورة بقدوم رسول الله ﷺ، فازدادت شرفًا ومكانة، وأصبحت عاصمة الدولة الإسلامية الأولى، ومهوى أفئدة المؤمنين في كل زمان.
وتبقى الهجرة النبوية مدرسة متجددة في الإيمان والتضحية والصبر والتخطيط والعمل، ودروسها أكبر من أن تحصى في مقال أو كتاب، لكنها ستظل نبراسًا يهدي المسلمين إلى طريق العزة والتمكين.
نسأل الله أن يعز الإسلام وأهله، وأن يجعلنا من حملة دعوة الحق، وأن يرزقنا الاقتداء بنبينا محمد ﷺ في أقواله وأفعاله وسيرته العطرة.
أ. د. عبدالعزيز بن إبراهيم العُمري
أستاذ السيرة النبوية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية (سابقًا)
مقالات سابقة للكاتب