شكراً.. محمد بن سلمان

في زمنٍ تضطرب فيه الخرائط، وتتزاحم فيه الأزمات على أبواب الأمم، لا تُقاس عظمة الدول بعدد المعارك التي تخوضها، بل بعدد المعارك التي تنجح في تجنّبها دون أن تتنازل عن كرامتها أو تُفرّط في مصالحها. فالحكمة السياسية ليست اندفاعًا إلى اللهب، وإنما هي القدرة على العبور بين النيران دون أن تمسّ الثياب شرارة. لقد أثبتت المملكة العربية السعودية، بقيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، أن القوة ليست في كثرة الصدام، بل في امتلاك القرار المستقل؛ ذلك القرار الذي لا تُحرّكه العواطف العابرة، ولا تستدرجه الضغوط الدولية والإقليمية، وإنما تحكمه بوصلة ثابتة عنوانها: مصلحة الوطن أولًا. في خضم اضطرابات إقليمية كبرى، حافظت المملكة على ثوابتها الراسخة تجاه القضايا العربية والإسلامية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، فلم تجعل الحرب وسيلة للضغط على مواقفها، ولم تسمح لتغيّر موازين القوى أن يبدّل مبادئها أو يعيد رسم أولوياتها. فالثبات في زمن العواصف لونٌ من ألوان السيادة، لا يملكه إلا الكبار. وحين كانت المنطقة تعيش على وقع التوتر، بقيت أرض المملكة واحة أمنٍ واستقرار؛ توافد إليها ضيوف الرحمن في رمضان والحج، وأُديرت منظومة النقل والمطارات والخدمات بكفاءة عالية، لتظل الحرمين الشريفين بعيدين عن ظلال الصراع وتقلّبات السياسة. إنها رسالة حضارية مفادها أن خدمة الإسلام والمسلمين مسؤولية تُدار بالحكمة والاقتدار. وفي الداخل، استمرت عجلة الحياة تدور بثبات؛ الأسواق نابضة، والمشروعات ماضية، والفعاليات الرياضية والثقافية متواصلة، وكأن الوطن يبعث برسالة صامتة إلى العالم: إن الدول الواثقة لا تسمح للأزمات الخارجية أن تعطّل أحلامها أو تربك مسيرتها. ولعل من أعظم صور النضج السياسي أن تمتلك الدولة أسباب القوة ثم تختار الحكمة. فالمملكة، التي تملك جيشًا باسلًا وقدرات ردع متقدمة، آثرت أن تجعل القوة حارسًا للتنمية لا وقودًا للصراعات، وأن تصون دماء أبنائها وثروات شعبها؛ لأن أعظم الانتصارات ليست تلك التي تُحصى بعدد المعارك، بل تلك التي تُقاس بحجم ما حُفظ من الأرواح والمكتسبات. كما أكدت الأحداث مجددًا مركزية المملكة في أمن الطاقة العالمي؛ فهي ليست منتجًا للطاقة فحسب، بل ركيزة من ركائز استقرار الاقتصاد الدولي، أثبتت مرونة عالية في الإمدادات، وموثوقية عززت مكانتها لدى شركائها التقليديين، وفتحت آفاقًا جديدة لعلاقات استراتيجية أوسع. وفي موازاة ذلك، واصلت المملكة توسيع شراكاتها الإقليمية والدولية، ومدّ جسور التفاهم مع مختلف الأطراف، مؤمنة بأن النفوذ الحقيقي لا يُبنى بالصدام الدائم، بل بصناعة التوازنات، وإدارة العلاقات بعقل الدولة الكبيرة التي تنظر إلى المستقبل بعين الواثق لا بعين المنفعل. إن التاريخ لا يخلّد من أشعل الحروب، بل يخلّد من حفظ الأوطان وسط العواصف، ومن أبقى السفينة ماضية نحو غاياتها رغم ارتفاع الأمواج. وستسجل هذه المرحلة أن المملكة اختارت البناء حين انشغل غيرها بالهدم، واختارت التنمية حين استهلكت الصراعات طاقات الآخرين، واختارت الإنسان ليكون محور الرؤية وغاية المشروع. شكراً محمد بن سلمان… لأن القيادة ليست أن تدخل كل معركة تستطيع دخولها، بل أن تعرف أي المعارك يستحق الوطن أن يخوضها، وأيها يستحق أن يتجاوزها وهو أكثر قوة وثباتًا ومضيًا نحو المستقبل. وكل الشكر قبل ذلك لخادم الحرمين الشريفين، الذي تربى سمو ولي العهد في مدرسته؛ حيث الحكمة والحزم والشموخ. مقالات سابقة للكاتب