حين يطوي الزمن صفحة

مع كل عامٍ يرحل، نشعر وكأن الحياة تدعونا إلى وقفةٍ هادئةٍ بعيدًا عن ضجيج الأيام.
وقفةٌ لا نسأل فيها: كم مضى من الوقت؟ بل نسأل: ماذا فعل الوقت بنا؟
فالأعوام لا تمر علينا بالطريقة نفسها؛ بعضها يضيف إلى أرواحنا اتساعًا، وبعضها يعلّمنا دروسًا لم نكن نرغب في تعلّمها، وبعضها يهدم في داخلنا أفكارًا قديمةً ليبني مكانها فهمًا أعمق للحياة.
عامٌ كاملٌ مضى...
فيه لحظاتٌ أشرقت فيها قلوبنا فرحًا، وأخرى وقفنا فيها أمام أبوابٍ مغلقة، نظن أن الطريق انتهى عندها، ثم اكتشفنا لاحقًا أن تلك الأبواب كانت توجهنا نحو طريقٍ آخر لم نكن نراه.
فيه أحلامٌ تحققت، وأخرى ما زالت معلقةً بين الدعاء والانتظار.
وفيه أشخاصٌ دخلوا حياتنا، وآخرون غادروها، تاركين خلفهم أثرًا، أو درسًا، أو ذكرى.
ومع بداية عامٍ هجريٍّ جديد، قد يكون أجمل ما يمكن أن نقدمه لأنفسنا هو أن نتحرر من فكرة أن التغيير حدثٌ كبير يقع فجأة.
فالحياة تتغير غالبًا بالطريقة الهادئة التي لا ينتبه لها أحد.
فكرةٌ جديدة تقرؤها فتغيّر نظرتك. وعادةٌ صغيرة تلتزم بها فتغيّر يومك. وقرارٌ مؤجل تمتلك شجاعة اتخاذه فيغيّر مسارك. وكلمةٌ تقولها لنفسك كل صباح، فتعيد تشكيل صورتك عن ذاتك.
لهذا لا يحتاج الإنسان دائمًا إلى بدايةٍ مذهلة، بقدر حاجته إلى بدايةٍ صادقة.
أن يصبح أكثر وعيًا بما يستحق وقته. وأكثر قربًا من أهدافه. وأكثر تصالحًا مع نفسه. وأكثر إدراكًا أن النمو الحقيقي لا يحدث عندما تتغير الظروف، وإنما عندما تتسع الرؤية، ويتطور الفكر، وتنضج الروح.
ومع عبورنا إلى عامٍ جديد، ربما يجدر بنا أن نحمل معنا الدروس ونترك الأثقال.
أن نحتفظ بالحكمة التي صنعتها التجارب، ونودع الخيبات التي استنزفت أعمارًا من التفكير.
أن نسامح ما أمكن، ونبدأ ما استطعنا، ونتوقف عن تأجيل الحياة إلى موعدٍ مثالي لا يأتي.
ففي نهاية الأمر، لا يتذكر الإنسان عدد السنوات التي عاشها بقدر ما يتذكر اللحظات التي تغيّر فيها من الداخل.
وحين يطوي الزمن صفحة هذا العام، ويكتب في سجل الأيام عامًا جديدًا، يبقى السؤال معلقًا أمام كل واحدٍ منا:
أي نسخةٍ من نفسك تريد أن تلتقي بها بعد عامٍ من الآن؟
فالزمن سيمضي على أي حال...
أما الحكاية التي سيكتبها هذا العام في حياتك، فما تزال بين يديك.
أ. شريفة المالكي
مقالات سابقة للكاتب