حين تتحول المهارة إلى رسالة حياة

تحمل الكلمات والعبارات الموجزة في طياتها أبعادًا فكرية واجتماعية عميقة، تتجاوز حدود النص الظاهر لتبني فلسفة متكاملة في تطوير الذات وإحياء المجتمعات. وفي المقولة المأثورة للكاتبة ديمة الشريف: «مهارة باليد.. ووردة بالأرض. إذا كانت لديك مهارة في الطبخ، فالتحق بدورة إعداد المدربين، واعقد شراكة مع مركز تدريب، لتصنع مصدر دخل إضافي بمبلغ زهيد عن كل دورة تقدمها، واحتسب أجر كل ذكر وأنثى تكون سببًا في فتح باب رزق له». تتجلى معادلة التنمية المستدامة القائمة على التكافل ونقل المعرفة. دلالة الاستهلال: اليد المنتجة والوردة المزهرة تبدأ الكاتبة بمدخل مجازي شديد العذوبة: «مهارة باليد.. ووردة بالأرض». هذا التشبيه يربط بين الإنتاج البشري والجمال الطبيعي؛ فاليد الماهرة التي تتقن حرفة أو فنًا كالطهي لا تنتج مجرد طعام أو منتج مادي، بل تزرع في أرض المجتمع بهجةً ونماءً يشبهان تمامًا ما تفعله الوردة في تربتها. والمهارة هنا ليست غاية في حد ذاتها، بل هي البذرة التي إن رُعيت أزهرت وأثمرت نفعًا يتجاوز صاحبها إلى المحيطين به. من المهارة الشخصية إلى الأثر الجماعي ينتقل الطرح من الإطار الفردي الضيق إلى الفضاء المؤسسي الرحب عبر الدعوة إلى صقل المهارة بالتدريب: «خذوا دورة إعداد المدربين». فامتلاك المعرفة شيء، والقدرة على إيصالها للآخرين شيء آخر تمامًا. ومن خلال دورات إعداد المدربين (TOT)، يتحول صاحب الحرفة من صانع ماهر إلى معلم ملهم يمتلك أدوات التمكين البشري، ويعرف كيف ينقل خبرات السنين إلى الآخرين، بما يضمن استدامة الحرفة وعدم اندثارها. الشراكة الاستراتيجية والتنمية الاقتصادية تضع الكاتبة يدها على آلية عملية لتحقيق الاستقرار المالي من خلال «عقد شراكة مع مركز تدريب». وتعكس هذه النصيحة وعيًا اقتصاديًا ناضجًا؛ فالإبداع الفردي يحتاج إلى حاضنة مؤسسية تنظمه وتطوره وتسوقه. كما أن الشراكة تحقق منفعة متبادلة لجميع الأطراف. أما الإشارة إلى «مصدر دخل إضافي بمبلغ زهيد عن كل دورة»، فتعكس رغبة في تيسير العلم ونشره، والاعتماد على بركة الوفرة والاستمرارية، بدلًا من السعي وراء الربح السريع المحدود. البعد الروحي: احتساب الأجر وفتح أبواب الرزق تتسامى الفكرة في ختامها لتبلغ ذروة السمو الإنساني والروحي: «واحتسب أجر كل ذكر وأنثى تكون سببًا في فتح باب رزق له». هنا يتحول العمل التدريبي والاقتصادي إلى عبادة ممتدة وأثر لا ينقطع. فأعظم ما يقدمه الإنسان لأخيه الإنسان ليس المال العابر، بل تمكينه من امتلاك أدوات كسب عيشه بكرامة. وحين يصبح المدرب سببًا في انتقال متدرب – ذكرًا كان أو أنثى – من دائرة الاحتياج إلى دائرة الإنتاج والعطاء، فإنه يساهم في بناء لبنة قوية في المجتمع، ويترك خلفه نهرًا جاريًا من الأثر الطيب والحسنات الممتدة. مقالات سابقة للكاتب