أعيدوا للكتب هيبتها.. وللقراءة وهجها

🖋️ من تشوّهات هذا العصر الحزين أن ترتفع بورصة الكماليات وتتصدّر المشهد، بينما يتهاوى ثمن الوعي؛ وأن تصبح رغوة القهوة ترفًا باهظًا، ويغدو الكتاب من سقط المتاع يلفّه الغبار. مفارقة موجعة تلخّص بؤس المشهد: في عتمة الصخب الذي يملأ رصيف إحدى المدن، وقفت يومًا وسط زحام إحدى الفعاليات أتأمل مشهدًا سرياليًا؛ ركنٌ صغير للكتب كان يغفو في صمت وعزلة موحشة، كأنه ضريح مهجور لا يلتفت إليه المارّة ولا يطرق بابه أحد، بينما تتهافت الطوابير البشرية كالفراش على محالّ الأطعمة والمقاهي والألعاب. اقتربت من الرفوف، ولامست عناوين كتب كانت يومًا تشعل الأسئلة في العقول، وتوقظ الأحلام في النفوس. سألت عن أسعارها، فذهلت حين علمت أن ثمن كتاب يختزل عمرًا من فكر صاحبه لا يعادل ثمن كوب قهوة ينتهي أثره قبل أن يبرد! ارتدّت بي الذاكرة إلى زمن كان فيه الكتاب يُقاس بالذهب، ويُقدَّم بوصفه أثمن هدية وتحية بين الأرواح المشرقة. كنا نتسابق، بشغف المحمومين، نحو رائحة الورق والمكتبات، ونطارد جديد الإصدارات كما يطارد العشاق أحلامهم، وكما يطارد اللاعبون أهدافهم، ونرى فيها أجمل رحلة في الوجود. عجبي! هل سرقتنا الآلة؟ وهل استبدلنا عمق الوجود ببرود الشاشات الرقمية؟ صحيح أن التكنولوجيا يسّرت العيش، لكنها أفقرت الروح. أدركت هنا أن المشكلة ليست في غلاء الأشياء، بل في رخص الأفكار داخل سلّم أولوياتنا. كان الإنسان قديمًا يبحث عن كتاب لأنه يبحث عن نفسه. كان يدرك أن القراءة ليست ترفًا ثقافيًا، بل رحلة طويلة لفهم الحياة والناس والعالم. لم يكن الكتاب يومًا أوراقًا وحبرًا، بل كان مصنعًا للوعي، ومن بين صفحاته خرج العلماء والمفكرون والقادة وصنّاع التغيير. أما اليوم، فقد أصبح الكثيرون يكتفون بعناوين مختصرة ومقاطع عابرة؛ صاروا يعرفون كل شيء ولا يفهمون أي شيء. لقد انتصر الاستهلاك على التأمل، والسرعة على العمق، والضجيج على الفكرة. ما يحدث اليوم للكتاب ليس إلا انعكاسًا لما يحدث للعقل؛ فحين يقل حضور القرّاء يضعف التفكير النقدي، ويزداد التصديق الأعمى، وتصبح الشائعات أكثر رواجًا من الحقائق. القضية ليست قضية مكتبة مهجورة أو كتاب مهمل، بل قضية جيل كامل يكبر ويستحق أن يرث المعرفة لا أن يكتفي بملخصاتها. فالكتاب هو النافذة التي نطل منها على وجدان البشرية وحكايات الأمم؛ لذلك فإن إعادة الهيبة للكتاب ليست دعوة عابرة، بل معركة وجودية. فالأمم التي تترك مكتباتها وكتبها لغبار الرفوف إنما تترك مصيرها لقُمامة التاريخ. أمة لا تقرأ هي أمة خارج سياق المستقبل. مقالات سابقة للكاتب