قرى المشاعر… ابتكار سعودي يبدد مشقة الطريق

في واحدة من أكثر لحظات الحج كثافةً وأثرًا، حين يفيض الحجيج من عرفات إلى مزدلفة بعد يومٍ هو أعظم أيامهم، يومٍ امتلأ بالوقوف والدعاء والابتهال، تتجلى مبادرة «قرى المشاعر» بوصفها استجابة إنسانية ذكية لحاجة حقيقية يعيشها الحاج في تلك اللحظات؛ حاجة الجسد للراحة بعد جهدٍ عظيم، وحاجة النفس إلى الطمأنينة وهي تواصل رحلتها الإيمانية. تأتي هذه المبادرة النوعية على مسار المشاة الرابط بين مشعري عرفات ومزدلفة، ذلك المسار الحيوي الذي يمتد لأكثر من ٨ كيلومترات ويشهد تدفقًا بشريًا هائلًا في وقتٍ وجيز، وهو المسار الذي خضع لتطوير هندسي متقدم جعله أحد أبرز نماذج إدارة الحشود في العالم؛ حيث جُهز بأرضيات عاكسة للحرارة باللون الأبيض، ومسارات مطاطية مريحة تقلل الإجهاد، ومظلات ذكية، وأعمدة رذاذ مائي لتلطيف الأجواء، إلى جانب انتشار نقاط الجلوس والخدمات على امتداد الطريق، فضلًا عن تشجيره بأكثر من 20 ألف شجرة تعزز جودة البيئة وتخفض درجات الحرارة. وفي قلب هذا المسار المتكامل، برزت «قرى المشاعر» كمحطات ضيافة مؤقتة متكاملة، لا تكتفي بدور الاستراحة العابرة، بل تعيد تعريف مفهوم الخدمة في المشاعر المقدسة. فقد أُقيمت على مساحة تتجاوز 40 ألف متر مربع في موقع استراتيجي قريب من مسجد نمرة وعلى بعد نحو 800 متر منه، مستهدف خدمة أكثر من 300 ألف حاج، في واحدة من أكثر النقاط كثافة أثناء النفرة. وتقدم المبادرة تجربة ضيافة شاملة تشمل المأكولات والمشروبات، ومناطق استراحة مهيأة، وأنظمة تبريد بالرذاذ، وهدايا رمزية، وخدمات إرشاد وتوعية صحية، إلى جانب خدمات مساندة تلبي احتياجات الحاج في لحظة تتطلب أعلى درجات العناية. كما تضم أكشاكًا خدمية، ومرافق صحية مطورة، ومصليات متنقلة، بما يجعلها بيئة متكاملة تعين الحاج على استعادة نشاطه ومواصلة نسكه بيسر. ويكمن أحد أبرز عناصر تميز هذه المبادرة في نموذجها التشاركي المتكامل، حيث نُفذت بإشراف أمانة العاصمة المقدسة، وبشراكة فاعلة مع شركة كدانة للتنمية والتطوير – الذراع التنفيذي لتطوير المشاعر المقدسة – إلى جانب إسهام القطاع غير الربحي، ضمن منظومة تجمع بين الخبرة الهندسية والتنظيمية، والمرونة التشغيلية، وروح العمل التطوعي. هذا التكامل بين القطاع البلدي والقطاع الخاص والقطاع الثالث أسهم في تقديم نموذج متوازن يجمع بين الاحترافية والاستدامة والبعد الإنساني. ويقف خلف هذا العمل أكثر من 300 متطوع ومتطوعة من أبناء مكة، يقدمون خدماتهم بروحٍ مفعمة بالإخلاص، في صورة تعكس عمق ثقافة الاستضافة السعودية المتجذرة، والتي تقوم على خدمة ضيوف الرحمن شرفًا قبل أن تكون مهمة، واقتداءً بنهج قيادةٍ سخّرت الإمكانات ووجهت الجهود لتيسير الحج ورعاية الحجاج، طلبًا للأجر والمثوبة من رب العزة والجلال. وقد انعكست هذه الجهود على مرئيات الحجاج، خاصة من اختاروا المشي بين المشعرين، فقد وصف كثير منهم هذه القرى بأنها “محطات إنقاذ” و“نقاط استعادة للطاقة”، توفر لهم الماء البارد، والظل، والرعاية، في وقتٍ تبلغ فيه الحاجة ذروتها. كما أسهمت هذه المحطات المنظمة في الحد من الافتراش العشوائي، ما عزز انسيابية الحركة وسلامة الحشود، وأكد دورها كعنصر فاعل في إدارة المشهد، لا مجرد خدمة مساندة. ولم تغفل المبادرة البعد البيئي، إذ جاءت منسجمة مع مستهدفات الاستدامة ومبادئ “السعودية الخضراء”، عبر التشجير الكثيف واستخدام المواد الصديقة للبيئة، بما يحول المسارات إلى بيئات أكثر اعتدالًا وراحة. بهذا المشهد المتكامل، تقدم «قرى المشاعر» نموذجًا سعوديًا فريدًا في خدمة الحجاج، يجمع بين التخطيط الذكي، والتنفيذ الاحترافي، والروح الإنسانية الصادقة، ليؤكد أن العناية بضيوف الرحمن في المملكة ليست مجرد خدمات تُقدم، بل رسالة تُجسدها القلوب قبل الجهود، وتُترجمها الأفعال على أرض الواقع في أبهى صورها. مقالات سابقة للكاتب