الميزان

عند القاضي والمحامي تعني العدالة، ولدى التاجر درجة عالية من الاعتناء والحرص على عدم البخس في السلعة حتى تتحقق البركة، وعند الانسان المهتم بالرياضة وصحة البدن فتعني الوزن والكتلة العضلية.

الميزان مؤشر حقيقي لضبط العلاقات الإنسانية، وإستخدامه يعني لنا المزيد من فهم النفس وكيفية التعامل مع الاخرين وفقده يعني ضياع للقيم الإنسانية وشتات للعمق الإنساني بل وقد نصل إلى مخالفة طبيعة البشر، فالتراجع داخلياً وعدم القدرة على تحقيق السلام الداخلي سببه عدم الاعتناء بميزان العلاقات مع من حولنا.

الزعزعة الداخلية بين ثبات القيم وتزاحم المؤثرات والضجيج الخارجي نتيجته الحتمية ضغط نفسي يفوق قدرة الانسجام وبالتالي التوجه نحو الانعزال والفردية.

لقد تأثر الميزان لدينا بصورة مباشرة أو غير مباشرة بقصد أو دون قصد بالتفاعل الافتراضي فلم تتغير حياتنا وتعاملاتنا فحسب بل تغيرت الاحاسيس والمشاعر والاهتمامات والاشواق، واختلف لدينا مفهوم العدالة ونبل الأخلاق حتى العاطفة تأثرت!، فأصبحت الرغبة في العيش بإستقرار نفسي مطلب لدى الكثير!

فقدنا الفهم لعمقنا الإنساني فأصبحنا نفقد تدريجيا إحساسنا ببعضنا البعض نتج عن ذلك بأن هيئنا لمؤسسة الاسرة أن تكون قاب قوسين أو أدنى من الهدم وإنتقل مفهوم العطاء إلى الاخذ ومن جعل الاسرة هي المحور إلى الانقسام والانعزالية وتعلية مصلحة الذات بدرجة عالية طاشت بالميزان فإختل التوازن الاجتماعي.

تغيرت قواعد الأماكن في القلوب وأصبح لدى البعض الجمادات أهم العلاقات ورسمت الفوضى الداخلية ملامح قاسية للمحبة بغلاف الانانية، وبدأت بعض المواقف تلغي لغة الأعين وتأثير خفقات القلوب والمشاعر والوجود، لم تعد تحركنا الافراح والاحزان!

البعض إستبدل مزايا الحرية وجماليات حب الاهتمام وإسداء الخدمات للغير بالابتذال والقيام بالأدوار الثانوية على مسرح الحياة! ففقدنا طعم الإحترام لبعضنا البعض ولم تعد مواقفنا محفورة في الاذهان.

وللخروج من ذلك لابد من حلول عبر المزيد من الإستخدام للتسامح والتفاؤل والاهتمام بمكونات النجاح وحماية أنفسنا والمجتمع من طغيان الأنا التي جعلت عقولنا في حالة خسوف كلي وفقدان للتواصل.

ثم لا نلبث أن نواجه الاغتراب ونوحد صفوف الأفكار بترتيب المعلومات وتصنيف العلاقات وفق قيم تقربنا أكثر لأن نكون مجتمعات أكثر نضوجاً وفهماً للواقع، فالمحيط ملئ بكثير من الاحداث والمتغيرات والاستدلالات الجديدة، لذا لابد أن نفهم أنفسنا حتى نفهم العالم من حولنا ولن يكون ذلك إلاّ بالمصارحة من أجل المصالحة، فعمق الحياة وتنوعها متناسب مع طبيعة البشر وسلوكياتهم إذا ما أستطاع الانسان معرفة الخير من الشر والنظر بالعين المتوازنة للتصرف وإن كان هذا الشيء به من الصعوبة ما كان ولكنه ليس مستحيلاً.

بلغة اليوم لابد أن ننسجم مع سلوكيات العصر من خلال الادراك والمعرفة والتأثير على الأخرين لا التأثر فقط، حتى يقوى الضمير وتستعيد الارداة عافيتها وينمو الخير والمحبة والاحتواء وحتى يكون غراس الأرض لتنمية الانسان والرقي بحضارته.

لابد من التعامل مع كفة الميزان بصورة صحيحة، وليس هذا الهدف، بل الأسمى هو جعل أجنحة المحبة والخير والتسامح والعطاء في حالة توازن مستمر وحتى لا نكون مجرد حبوب قمح تحت حجر الطاحون، علينا أن نكون صورة محبذة ومتكررة للبحث عن كل مفيد حتى تتحقق لنا متع الحياة (فكّروا بمن لا يقيمون وزناً لحياتهم ويبذلون الجهد إلاّ من أجل الانسان والإنسانية) وفي مقدمتهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، انهم يحققون قيمة مضافة لمجتمعاتهم.

أسوأ ما يمكن أن نقدمه للمجتمع أن نهرول إتجاه التطور والتحسين بلا وعي أو هدف، نقطة ضبط الجهد وتحقيق التوازن أن نتعلم لنشبع حاجة عقولنا وأرواحنا حتى نتمكن من المساهمة في بناء أوطاننا وهو السبيل لصناعة الفارق داخل المجتمع فننتج بإبداع ونحلق بمثالية ذكية فيكون التفوق الذي يتحول إلى سلوك من أجل الأخرين، فالعطاء هي كلمة السر في العلاقات الإنسانية.

عبدالله عمر باوشخه

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *