تسرقنا لحظات الحياة في ختلةٍ من الزمن، وتأخذنا نحو آفاقٍ رحبة، وتعبر بنا فضاءاتٍ فاتنة، وتجوب بِنا بيداء الذكريات، إلى أن ترتد بنا إلى خيمةٍ بالية، وعجوزٍ أَفْنتْ عمرها في رعاية غنيماتها.
نملأ جيوبنا من تلك اللحظات اللذيذة، وندسها عن عيون العابرين، ونخفيها عَنْ أسئلة المتطفلين.
نعمل ذلك كله -حقيقةً- دون وعيٍّ منا بتفاصيل تلك اللحظات.
ونحن في وسط هذا المشهد الدرامي، تتوارى عقولنا، وتُسلب قلوبنا، وتتعطل جوارحنا، وتُسيِّرنا ناقة أمانينا الدفينة، وتقودنا مطايا طفولتنا، ونعبث في رمال العمر؛ ونرسم أحلامنا على صفحة غدير لقاء الراحلين.
يحدث ذلك كله، ونظن أننا في كامل وعينا، وسيطرتنا، وقوة إرادتنا، وأننا تَزوّدنا بما يكفينا لما تبقى من رحلة الحياة، ولم ندرك أن ما وضعناه من زاد تلك اللحظات؛ إنما وضعناه في كيسٍ مثقوب، وسكبنا لبنها دون أن ننتبه إلى الثقب الذي تسرَّب منه لبن تلك اللحظات.
وحتى نتمكن من الانتباه، وعدم سَكْب لبن أمانينا في كيسٍ مثقوب؛ علينا الوعي بأن بعض العلاقات تشبه كيساً مثقوباً، حيث يبذل أحد الأطراف جهداً مستمراً، لكنه لا يشعر بالتقدير، أو التقدّم؛ مما يؤدي إلى الإحباط والاستنزاف العاطفي.
ويقع ضحية هذا الكيس المثقوب كل من أفرط في جانب من جوانب الحياة، وأهمل البقية منها.
فالأب مثلاً، الذي يُعطي جُلَّ وقته وجهده لعمله، ويُبْقي فضْلة وقته لأسرته؛ إنما هو يحمل كيساً مثقوباً، وظَنَّ واهماً أن عمله سيصنع من أسرته شيئاً عظيماً، ويمنحهم شأناً كبيراً.
والمنطق يقول أنه من الحكمة -من البداية- أن يختار الإنسان كيساً سليماً منيعاً على الثقوب، لكن الحياة حُبْلى بما يعكر صفونا، ويخترق حصوننا، وينفذ إلى أعماق أرواحنا؛ ويُحدثُ ثُقْبَاً في أكياس مطايانا.
ولعلَّ الحل لرتق هذا الثقب يكمن في التوازن بين كل جوانب الحياة، والاعتدال، والموازنة فيما بينها.
سليمان مُسْلِم البلادي
solimanalbiladi@