صناعة الأمل… من عثرات دامية

المحارب الحقيقي ليس ذاك الذي يُرفع اسمه في سجلات النصر كل مرة، ولا الذي يظن أن البطولة أن يعيش بلا هزائم.
النصر قد يكون صدفة، أو ثمرة ظرفٍ مؤقت، أو نتيجة طريقٍ مُمهَّد. لكن البطولة الحقيقية تُقاس بلحظة السقوط: حين ينهار الجسد، وتُثقل الروح بالجراح، ويُخيل للناظر أن النهاية قد كتبت… فإذا بهذا المحارب ينهض، يداوي ألمه بالصبر، ويحوّل نزفه إلى وقود يفتح به فجرًا جديدًا.

الحياة في جوهرها ليست ساحة تُوزّع فيها الانتصارات بسخاء، بل طريق طويل مليء بالحفر، والخيبات، والانكسارات.
من أراد أن يخلّد اسمه لم يكن ذاك الذي توقّف عند أول جرح، أو جلس يستريح عند أول صخرة، بل ذاك الذي واصل، وهو يعرف أن كل خطوة جديدة قد تكون أثقل من سابقتها، لكنه يواصل رغم الألم.

التاريخ لم يكتب عن أولئك الذين انكسروا واستسلموا، بل كتب عمّن جعلوا من كل هزيمةٍ درسًا، ومن كل عثرةٍ بداية، ومن كل دمعةٍ رسالة. الذين حوّلوا نزيفهم إلى قصيدة أمل، وجراحهم إلى دليل حياة، وعذاباتهم إلى إشراقة يستضيء بها غيرهم.

المحارب الحقّ لا ينكر الألم، بل يعترف به، يعانقه، ويسمح له أن يكون معلمه. يعلم أن الجراح ليست لعنة، بل وسام على صدره، وأن الانكسار ليس نهاية، بل تجربة عميقة تُعيد تشكيل وعيه.
يسقط، لكنه لا يقيم خيمة على أرض الهزيمة، بل يجعل من الأرض ذاتها منطلقًا جديدًا.

إن الهزيمة ليست إلا امتحانًا للروح: هل تنكسر وتبقى في القاع، أم تستعيد قوتك وتخرج من رمادك مثل طائرٍ يولد من النار؟
وهنا يكمن السر: القوة لا تُصنع في لحظات الراحة، بل في لحظات الألم، ولا تُقاس بالانتصارات التي يصفق لها الناس، بل بالصمود في وجه العاصفة حين يرحل الجميع.

كل إنسان في هذه الحياة محارب على طريقه:
محارب في مواجهة خوفه، محارب في مواجهة أحزانه، محارب في مواجهة الخذلان، محارب في مواجهة أحلامه التي تبدو بعيدة.
لسنا بحاجة لأن نحمل سيوفًا لنثبت أننا أقوياء؛ فالقوة الحقيقية أن نجرؤ على النهوض بعد أن هزمنا اليأس، وأن نبتسم رغم أننا نحمل في قلوبنا ندوبًا لا تُرى.
وهنا أقول :
لا تتوقف، ولا تنحنِ… فالعالم لا يرفع أسماء أولئك الذين اختفوا في الظلام، بل يكرّم من جعل من ظلامه مصباحًا لغيره. لا أحد سيذكر من عاش في ظل الهزيمة، لكن الجميع سيحني رأسه احترامًا لمن صنع من عثراته طريقًا، ومن دموعه أملًا، ومن ألمه حكاية تُروى للأبد.

اصنع من كل عثرة وسامًا، ومن كل هزيمة صفحةً في كتابك، ومن كل ألمٍ جسرًا إلى غدٍ أوسع. فالحياة لا تُكافئ من لم يُجرَّب السقوط، بل تعطي مكانها في الخلود لمن جعل من سقوطه نهوضًا يليق بكرامة الإنسان.

خبير التدريب المستشار
أ. إبراهيم بن عبدالله الشريف

مقالات سابقة للكاتب

8 تعليق على “صناعة الأمل… من عثرات دامية

نادية غالب الجودي

مقال ثري يلخص أن البطولة الحقيقية ليست في غياب الهزيمة بل في القدرة على النهوض منها وصناعة قوة جديدة. التاريخ لا يخلّد من استسلموا، بل من حولوا الألم إلى أمل والجرح إلى رسالة. فالقوة الحقيقية أن تواصل المسير رغم الانكسار وألّا تنحني أمام العواصف . دام إبداع قلمك أستاذ إبراهيم .

فاطمة الهاشمي

فعلاً القوة الحقيقية لا تُقاس بالانتصارات السهلة، بل بالصمود في وجه التحديات والألم و الاستمرار في مواجهة الصعوبات، وعدم الاستسلام للهزائم، بل تحويلها إلى دروس وفرص للتعلم والنمو.

المدربة منيرة التميمي

اصنع من كل عثرة وساما ،ومن كل هزيمة صفحة في كتابك،ومن كل ألم جسرا إلى غد أوسع .
👏🏻👏🏻👏🏻👏🏻👏🏻👏🏻👏🏻🎉🎉🎉🎉🎉🎉
ما أعظمها من كلمات وما أصدقها من وصايا ،تلامس العمق الوجداني وتدق مسمارا في ألواح التجربية..
بورك المداد وتلاشت الصعاب ،ودمت متألقا بكل جدارة استاذنا ابراهيم الشريف.

د منى رمضان الشاذلي

العنوان “صناعة الأمل… من عثرات دامية” يحمل معاني عميقة ومتناقضة في الوقت نفسه، يمكن فهمه بعدة زوايا:
إشارة إلى القوة الداخلية للإنسان: أن الأمل لا يولد في الظروف المثالية، بل يُصنع رغم الجراح والعثرات القاسية.
رسالة صمود: أن الجروح الدامية ليست النهاية، بل يمكن أن تكون بداية جديدة لبناء حياة أفضل.
معنى إنساني عام: كثير من الإنجازات والنهضات الإنسانية بدأت من لحظات معاناة وانكسار، لكن الإصرار حوّل الألم إلى قوة دفع.
زاوية فلسفية: الألم جزء من معادلة الحياة، لكنه لا يُلغِي إمكانية الحلم. بل أحيانًا يكون هو السبب في صناعة أمل أكبر وأكثر رسوخًا.
معنى إبداعي/أدبي: يوحي بأن العنوان يمكن أن يكون مقدمة لقصة، رواية، أو مقالة تُبرز رحلة إنسانية فيها جراح عميقة، لكن النهاية مشبعة بالأمل.
ويمكن القول أن العنوان يدعوننا للنظر بأن الألم ليس حائط يسد الطريق، بل حافز لتشييد جسر نحو الأمل.

رحمة الطريرقي

دائماً ماتبهرنا بما خطة قلمك وتنير به بصيرتنا ،وكأنك تضع مرآة أمام الأرواح المرهَقة لتُبصر حقيقتها.
كلماتك كنشيد خفيّ يُوقظ في الداخل يقينًا بأن البطولة ليست في ساحة التصفيق ، بل في ساحة الصمت حيث يقف الإنسان وحيدًا أمام ألمه ، ثم يقرر أن ينهض.
لقد أعدت تعريف الانتصار وتجرده من بريقه الزائف لتكشف جوهره الحقيقي أن تُهزم ثم تنهض ، أن تنكسر ثم تتشكل من جديد ، أن تجعل من دموعك وقودًا لا عثرة.
فهنيئًا لقلمك هذا العمق الذي لا يُقرأ فقط ، بل يُعاش ويستحيل مع الأيام إلى وصية يتردد صداها في القلوب.

علا

المحارب الحقيقي من يصنع من انهزامه ثورة في مواجهة الحملات الاخرى يناضل من اجل الانتصار وتحقيق حلمه من يبحث عن الانتصار المتميز عبر صولات وجولات ..لاترهقه الانهزامات ولا العثرات با تصنع منه محارب صامد امام التحديات ..لانجعل الانهزام نهاية المعركة بس بداية لخطة جديدة مليئة بالاثارة والحماس يخلد فيها الاسم والنجاح ..مقال رائع وملهم أ ابراهيم

Sharifah Almalki

فعلاً، القوة الحقيقية لا تقاس بالانتصارات الظاهرة، بل بمدى قدرتنا على النهوض بعد كل سقوط، وبمدى تحويل جراحنا إلى دروس تضيء دروبنا ودروب من حولنا.
المحارب الحقيقي يعيش الألم، يعانقه، ويتعلم منه… وهكذا نصبح نحن من يكتب تاريخنا بأيدينا، لا بالظروف ولا بالصدف.
شكرًا على هذا المقال الذي يُعيد للروح شحن الأمل ويذكرنا بأن كل عثرة بداية، وكل دمعة قوة، وكل ألم فرصة للنمو.

نورة عبدالله يوسف

“الحياة في جوهرها ليست ساحة تُوزّع فيها الانتصارات بسخاء، بل طريق طويل مليء بالحفر، والخيبات، والانكسارات.
من أراد أن يخلّد اسمه لم يكن ذاك الذي توقّف عند أول جرح، أو جلس يستريح عند أول صخرة، بل ذاك الذي واصل، وهو يعرف أن كل خطوة جديدة قد تكون أثقل من سابقتها، لكنه يواصل رغم الألم.”

ابرزت حقيقة الحياة “طريق طويل ملئ بالحفر و الخيبات و الانكسارات” وتلك الحقيقة ليست بسوء هي طبيعة الخياة
من ادركها سيعتاد و يتوقع وسيكمل المسير لان السقوط شي وارد , ولكن الفرق من يستطيع ؟! ان يقف ويكمل المسير ؟!
مقال اكثر من رائع -,اللهم بارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *