في كل يوم وطني، يعود الوطن إلينا كقصة تُروى من جديد. قصة تبدأ من خيمة في الصحراء، حيث كان الحلم أكبر من المساحة، والإيمان أقوى من العواصف، والعزيمة أصلب من الصخر. هناك، حين كان المؤسس الملك عبدالعزيز – طيب الله ثراه – يرسم بخطواته الأولى ملامح الكيان، لم يكن يكتب تاريخًا فقط، بل كان يخط مصيرًا لأجيال ستأتي من بعده.
الوطن، في جوهره، ليس ركام حجارة ولا حدود جغرافيا، بل إنسان ينهض كل صباح ليبني، ويصبر، ويؤمن. إنسان يرى في الأرض مرآة لكرامته، وفي السماء سقفًا لطموحه، وفي القيم جذورًا تحميه من السقوط. لهذا فإن اليوم الوطني ليس احتفالًا بمكان، بل احتفالًا بروحٍ سكنت الإنسان قبل أن تسكن الخرائط.
حين ننظر إلى حاضرنا، ندرك أن هذه الروح لم تنطفئ يومًا. ما زالت تنبض في رؤيةٍ طموحة، وفي مشاريع تنقلنا من حدود الممكن إلى فضاءات المستحيل. ما زالت تعلّمنا أن المجد لا يُنتظر، بل يُصنع. وأن الأوطان لا تُحفظ بالذاكرة فقط، بل بالعمل اليومي الذي يضيف سطرًا جديدًا لقصة لم تكتمل بعد.
اليوم الوطني هو وقفة وعي: أن نتذكر أن كل إنجاز شخصي نحققه ليس لنا وحدنا، بل هو لبنة في بناء وطننا. أن كل قيمة نتمسك بها هي درع نحمي به هويتنا. أن كل خطوة نحو المستقبل هي امتداد لخطوة اتخذها أجدادنا يوم قرروا أن التوحيد بداية لا نهاية.
إنه يوم نكتشف فيه أن الوطن يعيش فينا أكثر مما نعيش فيه. وطنٌ يرافقنا في أحلامنا، في طموحاتنا، في تفاصيل حياتنا الصغيرة والكبيرة. وطن لا نغادره مهما غادرنا المكان، لأنه ليس فقط في الجغرافيا، بل في الدماء التي تجري، وفي الكلمات التي نقولها، وفي الرسالة التي نحملها.
اليوم الوطني هو تذكير بأننا لسنا مجرد شهود على قصة مضت، بل نحن كتّاب الفصول القادمة. وكل واحدٍ منا يحمل قلمًا في يده، يرسم به ملامح وطنٍ يليق بأجداده، ويفخر به أبناؤه، ويُدهش به العالم.
✍️ مها الحربي
خبيرة تدريب الإدارة التربوية