لماذا نفتقد القائد الإداري رغم وجود خريطة طريق؟

في إحدى الأمسيات، جلس موظف شاب في مكتبه الصغير داخل وزارة مزدحمة بالملفات والروتين. كان يقرأ كتاب “حياة في الإدارة” للدكتور غازي القصيبي؛ ذلك الكتاب الذي ألهم أجيالًا من المسؤولين ورسم لهم خريطة طريق واضحة نحو القيادة الفعّالة. وبينما كان يتأمل كلمات القصيبي، تساءل في نفسه: إذا كان الطريق ممهدًا بهذا الوضوح، فلماذا ما زلنا نفتقد القائد الإداري المميز؟ ولماذا تغرق مؤسساتنا في البيروقراطية والمحاباة والفساد الإداري؟

هذا السؤال لا يشغل ذلك الموظف وحده، بل يشغل المجتمع العربي بأسره، منذ رحيل العديد من القادة الذين تركوا بصمة عميقة في مسيرة الإدارة، ومنحونا أسرار نجاحهم؛ ومن هؤلاء — على سبيل المثال لا الحصر — الدكتور الراحل غازي القصيبي في عدة وزارات، وعبدالعزيز الخويطر في التعليم، وعلي النعيمي في وزارة البترول والطاقة.

لقد رسم هؤلاء القادة العظام الطريق، لكن المجتمعات لم تستطع أن تُخرِج قادة جدد يسيرون فيه. فالسبب لا يكمن في غياب النموذج، بل في غياب البيئة التي تسمح بظهور القائد.

فالقيادة ليست منصبًا يُمنح، بل ممارسة يومية تحتاج إلى ثقافة مساءلة وشفافية. ولا تزال الكثير من المؤسسات العربية أسيرة البيروقراطية، حيث تكون الولاءات أقوى من الكفاءات، ويُكافأ المدير المطيع أكثر من القائد المبدع. وهنا يظهر الخلل: لدينا كتب وسير ذاتية ملهمة، لكننا لم نترجمها إلى أنظمة وسياسات مستدامة.

ولا يكمن الحل في انتظار إصلاح خارجي، بل في إعداد أفراد قادرين على كسر المنظومة من الداخل. هؤلاء يحتاجون إلى وعي قيادي مبكر يُزرع في الجامعات عبر مقررات تعزز النزاهة والحوكمة، وتجارب محاكاة واقعية لمشكلات البيروقراطية، وتدريب ميداني داخل المؤسسات الحكومية. ثم يحتاجون إلى تمكين عملي داخل المؤسسات نفسها، عبر مشاريع صغيرة ذات أثر، وأنظمة تقييم قائمة على النتائج لا الولاءات، بالإضافة إلى برامج إعداد قيادات داخلية تحمي المصلحين وتمنحهم أدوات التفاوض وإدارة المخاطر.

لكن إعداد الأفراد وحده لا يكفي؛ فلابد من تكامل بين الجامعات والمؤسسات الحكومية. الجامعات تصنع القاعدة الفكرية، والمؤسسات تحوّل الفكر إلى ممارسة، والشراكات بينهما تضمن ألّا يبقى القائد مجرد “نظرية في كتاب”، بل يصبح واقعًا ملموسًا. عندها فقط يمكن أن نرى جيلًا جديدًا من “قصيبيين صغار” قادرين على إعادة تشكيل المنظومة تدريجيًا من الداخل.

إنّنا لا نفتقد القائد الإداري المميز لغياب النموذج، بل لغياب البيئة التي تسمح بظهوره. وإذا أردنا كسر دائرة البيروقراطية والفساد، فعلينا أن نبدأ من حيث انتهى القصيبي: إعداد الإنسان أولًا، ثم إصلاح المؤسسة، ثم بناء ثقافة قيادة مستدامة.

 

فايز حميد البشري

مقالات سابقة للكاتب

تعليق واحد على “لماذا نفتقد القائد الإداري رغم وجود خريطة طريق؟

محمد بن هاشم

من حيث أنهيت من يملك إعداد الإنسان وأصلاح الموسسة وبناء ثقافة مستدامة أليست بقائد كيف ولد القائد بطل غياب تلك المعايبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *