سُموُّ النَّفسِ فوقَ دُنيا الحاقِدِ الحاسِد

وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا؟ ….سُموُّ النَّفسِ فوقَ دُنيا الحاقِدِ الحاسِد.

إنّ من تمام الحكمة وعلوّ الهمّة أن يترفّع المرء عن مجادلة كل حاقدٍ أو حاسد؛ فإن النزول إلى مستواهم يذهب بوقاره، ويجرّه إلى ما لا يليق بمكانته. وما ترّهاتهم وتطاولهم إلا انعكاسٌ لما امتلأت به صدورهم من غِلٍّ قديم، وشعورٍ بالدونية لا يخفونه مهما تظاهروا بخلافه. وقد علّمنا القرآن الكريم هذا الأدب العظيم؛ إذ يقول  :﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]؛ فالإعراض عن الجاهل منهجٌ ربانيّ يحفظ للنفس سموّها، ويحجزها عن مواطن اللغو والمهانة.

وقال  عن أهل الحسد الذين لا يملكون إلا الغيظ والاضطراب: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩]؛ فما حسد الحاسد إلا نارٌ تحرق قلبه، لا تنقص من شأن محسوده شيئًا، بل تزيده رفعة عند الله وبين خلقه.

وقد وصف الله تعالى عباد الرحمن بأنهم لا يُستفزّون إلى مهاترات السفهاء، فقال  : ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]؛ وهذا قمة السموّ، إذ لا يلتفتون إلى صغائر الأمور، ولا يُعيرون الحاقدين وزنًا.

وجاءت السنة النبوية مؤكدةً هذا المعنى، مبينةً أن السلامة في ترك الجدل، وأن القوة الحقيقية في ضبط النفس؛ فقد قال النبي ﷺ:« دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» [رواه الترمذي]؛ وفي هذا إشارة لطيفة إلى ترك ما يكدّر القلب ويدخل عليه الشبهات، ومن ذلك الدخول مع الحاسد في مهاترات لا نهاية لها. وقال ﷺ:« ليسَ الشَّدِيدُ بالصُّرَعَةِ، إنَّما الشَّدِيدُ الذي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ» [متفق عليه]؛ فمن استطاع أن يكفّ لسانه وأعصابه أمام من يريد استفزازه، فقد ملك نفسه، وارتفع فوق خصومه. بل وعد النبي ﷺ ببيتٍ في الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا، فقال: «أنا زعيمٌ ببيتٍ في ربَضِ الجنَّةِ لمن تركَ المِراءَ وإنْ كان مُحقًّا» [رواه أبو داود]، فكيف بمن تركه لا عجزًا، بل تعاليًا وسموًّا واحتقارًا للطريق الذي يسلكه الحاقدون؟ وهذه المعاني جسّدها أئمة السلف أروع تجسيد؛ فقد قال الإمام الشافعي رحمه الله: «مَا جَادَلْتُ جَاهِلًا إِلَّا وَغَلَبَنِي، وَمَا جَادَلْتُ عَالِمًا إِلَّا وَغَلَبْتُه»، وذلك لأنه يرى أن الخصومة مع الجاهل لا تُثمر حقًّا، ولا تزيد صاحب الحق إلا تعبًا. وقال الحسن البصري رحمه الله: «الْحَسَدُ أَوَّلُ خَطِيئَةٍ عُصِيَ اللهُ بِهَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ»؛ فهو داء قديم يبتلى به ضعاف النفوس، ودواؤه الإعراض والصبر. ورُوي أن رجلًا سبّ الإمام مالكًا رحمه الله، فظلّ ساكتًا حتى فرغ، ثم قال له: «إن كانَ مَا تَقُولُ فَيَّ حَقًّا، فَغَفَرَ اللَّهُ لِي. وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا، فَغَفَرَ اللَّهُ لَكَ»؛ فسقط الرجل صامتًا، إذ أدرك أن الحكمة تُسكت ما لا يُسكت بالجدل. وكان ابن سيرين إذا بلغه أن أحدًا يغتابه، قال: «هو سَهْمٌ سُلّ عَلَى غَيْرِ فَرْيسَةٍ»؛ أي أن كلامه لا يصيب، ولا يضر إلا صاحبه. وقال بعض الحكماء: «مَنْ رَدَّ على السفيهِ فقدْ هانَ عليهِ أنْ يكونَ مِثْلَهُ، ومَنْ سَكَتَ عنهُ فقدْ تَمَيَّزَ عنهُ».

وهكذا، فإن أعقل الناس من ارتفع فوق صغائر الحاسدين، وعرف أن كلامهم ليس إلا اعترافًا ضمنيًا بفضله، وشهادة غير مباشرة بمكانته، إذ لو لم يكن رفيع القدر ما حسده أحد، ولو لم يكن ساميًا ما تطاول عليه حاقد ولا تعامده جاهل. فالأغصان المليئة بالثمر هي التي تُرمى، وأما اليابسة فلا يلتفت إليها أحد. فاسمُ بنفسك يا صديقي، ودع الحاقد يَخْتَنِقُ بِدُخَانِ نَفْثِهِ، فما يطلقه من كلمات النقص في شأنك إنما هو صدى نقصه هو، وما تطاوله عليك، وتعامده قدرك، إلا إعلانٌ واضح عن إحساسه بالدونية، وسقوطه المذل.

ولَأنْ تُعرض عن السفيه أكرمُ لك، ولأنْ تترفع عن الحاسد هو أرفعُ لقدرك، وأيضا من الكمال أن تجعل الزمن وحده كافيًا لفضح نواياهم… فالقافلة تسير، والكلاب لا تنبح إلا على السائرين. فاللهم جنبنا الجدال وأهله وارزقنا الاستقامة ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا.

كتبه الفقير إلى عفو ربه: د. طلال بن عبدالله بن حسن بخش

دكتوراة في المصرفية الإسلامية والتمويل – باحث ومفكر إسلامي

كوالالمبور 25-جمادى الأولى – 1447هـ

 

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *