﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ … وَوَعْدُ اللهِ لَا يَتَخَلَّفْ
لكل شِدّة مُدّة، ولكل ضيق نهاية، ولكل ليل حالك فجرٌ يُشرق مهما طال الظلام. وتلك سنة الله في خلقه، لا يُبقي العسر أبدًا بلا يُسر، ولا البلاء بلا رحمة، ولا الألم بلا حكمة. قال تعالى:﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6].
تكرارٌ يُطمئن القلوب أن اليسر ملازم للعسر، لا يتأخر عنه ولا ينفصل.
والابتلاء في الحياة ليس طارئًا ولا استثناءً، بل قانون رباني ماضٍ على الأنبياء والصالحين، يمضي لا ليؤذي، بل ليُربي ويُطهّر ويُهذّب.
قال تعالى: ﴿وَلَنَـبْـلُـوَنَّــكُـمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَــوْفِ وَالْجـــُـوعِ﴾ ]البقرة: 155]. فالامتحان قدر، والصبر عليه تكليف، والنتيجة وعدٌ كريم:
﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ ….
والابتلاء ليس لكسر المؤمن، بل لصنعه. قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾]النحل: 127]؛
فالصبر ليس قوة من العبد، بل قوة يمنحها الله لمن لجأ إليه.
وربما يضيق عليك الطريق، لا لأن الله تركك، بل ليقودك إلى طريق آخر أنفع لك، كما قال سبحانه: ﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 216]؛ فالمنع أحيانًا عين العطاء.
وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال:(مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا، يُصِبْ مِنْهُ) ؛ فالابتلاء علامة حب، لا علامة سُخط.
وقد اشتدّ البلاء على النبي ﷺ وصحابته في مكة، حتى قالوا: متى نصر الله؟ فجاء الجواب:﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ ]البقرة: 214].
فالنصر يأتي في اللحظة التي يظن العبد فيها أن لا نصر.
وكل ابتلاء يكشف قلبك لك: هل تثق؟ هل ترضى؟ هل تبقى؟
قال تعالى: ﴿لِيــَـبـْــلُــوَكُـمْ أَيـُّـكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ]الملك: 2]؛ فالغرض أحسن العمل، لا أكثره.
وهذه سنّة الله في أوليائه؛ فأمّ موسى ألقت وليدها في اليمّ وهي تبكي، فطمأنها الله بقوله تعالى ﴿ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ]القصص: 7]؛ فكان الفرج أعظم من الخوف.
ويعقوب عليه السلام صبر حتى ابيضّت عيناه، ولم يقل إلا: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ﴾ ]يوسف: 18]؛
فردّ الله عليه يوسف وأخاه وجعل خاتمة حزنه سعادة.
وأيوب عليه السلام ثبت سنين طويلة، لا يملك إلا قلبًا شاكرًا ولسانًا ذاكرًا، فقال الله له: ﴿ ارْكُـضْ بِرِجْلِكَ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾]ص: 42]؛ فرفع الله عنه البلاء، وزاد له في العطاء.
ومع كل بلاء وعدٌ صادق لا يتخلف: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ ]الطلاق: 7].
وإذا اشتدّ الكرب، فليوقن المؤمن أن الفرج أقرب مما يظن.
وفي الحديث الصحيح قال ﷺ:(واعلَمْ أنَّ في الصَّبرِ على ما تكرهُ خيرًا كثيرًا، واعلَمْ أنَّ النَّصرَ مع الصَّبرِ، وأنَّ الفرَجَ مع الكرْبِ، وأنَّ مع العُسرِ يُسرًا) ]صححه الألباني.]؛ فالابتلاء ليس كسرًا… بل إعادة تشكيل. ليس نهاية… بل بداية.
وإذا ضاق صدرك، فقل بهدوء وصدق: ﴿حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْــوَكـِـيلُ﴾ ]آل عمران: 173]، وسترى كيف يصنع الله بعد الضيق نورًا، وبعد العُسر يُسرًا، وبعد ليل الهمّ فجرًا لم يخطر لك على بال.
كتبه الفقير إلى عفو ربه: د. طلال بن عبدالله بن حسن بخش
دكتوراة مصرفية إسلامية وتمويل – باحث ومفكر إسلامي – كوالالمبور 10-جمادى الآخرة – 1447هـ
مقالات سابقة للكاتب