القوة العجيبة التي منحها الله لنا هي نعمة العقل والتفكير، والقدرة على تمييز أفعالنا؛ فهذا هو استخدامه، وهذا هو الغرض من وجوده في الإنسان.
ولكن أين نحن من هذه النعمة العظيمة في زحمة الحياة؟!
احتُبست هذه النعمة والفطرة النقية داخل حدود، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، تختلف باختلاف كل شخص وطريقة تفكيره.
والجانب المهم أن كثيرًا منا يتجاوز — أو بمعنى أدق لا يدرك — قيمتها، ويتجلى ذلك في كلمة “يا ليت”.
وماذا تفيد كلمة “يا ليت” بعد فوات الأوان؟
بعد انتهاء الشيء وعدم القدرة على استرجاعه…
وهذا هو حالنا مع وجود الأم أو الأب على قيد الحياة.
أمامنا كنز ونعمة، لكن أشغلتنا الدنيا وأشغلت معها عقولنا؛ وقتنا القليل لهم والكثير لغيرهم.
أين كانت صحوة العقل بأن يومًا سيأتي ونفقدهم؟! حتى ذلك القليل انتهى…
لم نفكر بعمق، لأن هذا أمر طبيعي في حياة الإنسان بين مسؤولياته وظروفه.
والانشغال ليس دليلًا على عدم محبتهم، لكن ثقتنا بوجودهم حولنا، وشعورنا بأن بقاءهم مستمر، أعطانا وهم الأمان، وهذا غير صحيح.
قال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ}.
هنا لم ينتبه العقل إلى المعنى الكبير بأن كل شيء له قدر وينتهي.
وبعد انتهاء هذا القدر يأتي لوم النفس وشعورها بالتقصير…
نلوم أنفسنا: لماذا؟ وكيف؟
فألم الفقد أعمق من أي ألم، وهو ما يجعلنا نشعر بالندم على كل لحظة مرت دونهم.
ونسأل: هل كان غيابنا عنهم يحزنهم؟
أسئلة كثيرة، وحيرة أكبر، وخوف من أننا قصرنا في برّهم…
ولكن ما فائدتها الآن بعد فوات الأوان؟
رحلوا عنا فجأة…
كان حبهم كبيرًا، لكن غيابهم الآن أكبر.
الآن لم نعد نسأل: أين كان عقلنا؟ بل: كيف يمكن أن نبرّ بهم أكثر؟
وبرّهم اليوم يكون بالعمل الصالح الذي يربطنا بهم إلى أن نلقاهم في جنات النعيم بإذن الله.
يا من تنعمون بوجود والديكم…
قبل أن تُغلق الأقدار أبوابها،
وقبل أن يصبح صوتهم ذكرى،
وقبل أن تختفي وجوههم وتغدو خيالًا…
اقتربوا منهم أكثر، فكل لحظة معهم تساوي كنوز الأرض.
لا تؤجلوا النظر في وجوههم أو الحديث معهم وتقولوا: “غدًا”،
لأنه سيأتي يوم لا غدَ فيه…
وحينها سنشعر بمعنى الخسارة التي لا تُعوّض؛ فلا فرص جديدة، ولا كلمات لوم تكفي، فقد غابت وجوههم عند ربٍّ رحيم أرحم منا.
وحينها يصحو العقل من غفلته، ويدرك الحقيقة التي يغفل عنها الكثير.
فصحوة العقل ليست في برّ الوالدين فقط، بل هي لكل نفس عليها أن تستيقظ من غفلتها.
وصحوة العقل في محاسبة النفس هي أعظم هدية من الله لنا.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ}.
اللهم إنا لا نعلم متى يحين موعد رجوعنا إليك،
اللهم أحسن خاتمتنا،
ولا تأخذنا من الدنيا إلا وأنت راضٍ عنا يا رب.
مقالات سابقة للكاتب