مع رائحة البخور والنعناع والورد الطائفي،
في صالة العشاء وعلى موائد الطعام،
كانت أشبه بالزهد في كل شيء،
وفقدان الشهية في الطعام،
شاردة الفكر في ذكرى قديمة،
قد مضى عليها أكثر من ربع قرن،
من نبش في تلك الذاكرة،
وأظهر ذلك الوجه الغائب منذ زمن،
لتصادف الصدفة مقعدها أمامها،
ويكتب لها رؤية من يشبه ذلك الوجه الغائب،
أمست تحدق في ملامحها باندهاش،
ونضرات الحزن والفقد والحنين تتسع في عينيها، تقلب نظراتها في من حول تلك المرأة،
حتى خرجت عن صمتها وبادرت بالسؤال عن هذه المرأة،
فتيقنت شكوكها ولامست شعورها أنها أخت ذلك الوجه الغائب منذ زمن،
فجادت قريحتها بسرد القصص،
واستعادة الذكريات من الماضي القديم،
للحظات شعرت أنها أعمق وأهم من كل شيء،
لم تطب لي لقيماتِ التي تلقمتها،
وقف بي الزمن لبرهة وأنا أستمع إليها،
وكأنها تحدثني عن شخص لأول مرة أعرفه وأعرف قدره،
أنا التي أمضيت طفولتي في حناياها،
أنظر إليها وأتحدث إليها،
ولكني كنت مجرد طفلة لا تسعها الذاكرة للاحتفاظ بكل شيء،
ولا يحملها الوعي لفهم كل شيء،
وكان الموت أسرع من أن يبذر الحب ويزيد الوثاق، ولكني لا أذكر سوى أشياء عابرة لم تحملني للوفاء والتقدير،
كان حبها لها أكبر مني،
فتعجبت كيف أن الله يسخر عبادا لعباد أخرين،
كيف يسخر الناس لبعضهم بالنفع والإحسان،
تحلف لي أنها لم تنسها من دعواتها وذكرها،
فكان أثمن ما استطعت الرد به عليها،
حتى أمي ترى دائما تخبرني أنا أتصدق عني وعن أبيك وعن خالتك فاطمة لأن ما عندها أولاد،
ختمت كلماتها وهي توصيني بقلب صادق محب وخائف على شخص عزيز،
ترى هي خالتك لا تنسينها من دعواتك وصدقتك واللي تقدرين عليه هي ما عندها أولاد،
ولو أني لم أخرج من تلك الليلة إلا بهذه الوصية التي سأحمل جذورها بإذن الله ما حييت لكفتني،
افترقنا وبقيت لوحدي أتأمل في سيرة خالتي فاطمة، خالتي فاطمة التي لا يسعني أن أكتب عنها لخلو ذاكرتي من معرفتها جيدا،
ولكني أكتفي بقول من أوصتني عليها أنها كانت لها أم،
عادت بي الذاكرة لحكايات أمي لي وهي تخبرني عنها،
كان قلبها يسع بالحب كل من حولها،
تتشارك لقمة العيش مع كل من يجاورها من الجيران،
كان تحن وتعطف على الأطفال،
أنها تزوجت من رجل لا ينجب،
فطلب منها جدي مرارا وتكرارا الانفصال عنه، ليزوجها رجلا غيره وتنجب منه أطفالا،
ولكنها كانت أمام كل تلك المحاولات ثابتة على نفس الإجابة،
لا ما يفرقني عن سلمان إلا الموت،
اختارت الحب والوفاء والبقاء على أن ترحل،
وقد سبقها بالوفاة وبقيت بعده،
وأزداد بها المرض،
تفتش عنه في زوايا الأماكن ولا تجده،
وتنادي عليه ولا تسمع مجيبا،
ظلت تعاني المرض والفقد حتى توفاها الله،
ولحقت بزوجها بعد طول الفراق،
الذي لم تختره هي وأبت أن تختاره مهما كان الثمن، ولكن ليقينها علمت أن قدرا أقوى منها قد يفرق بينهم فسلمت له،
ولعل ربا رحيما يجمعهم في جنات عدن،
ومن بذور تلك الوصية كتبت،
وكل رجائي أن تجد خالتي فاطمة الدعوات الصادقة لمن قرأ.
مقالات سابقة للكاتب