في زمن تتسارع فيه التحولات وتتشابك فيه الأدوار والقيم، يظل الوطن هو الركن الشديد الذي تستند إليه الهوية، وتتشكل في رحابه ملامح الانتماء الحقيقي. فالوطن ليس مكانا للإقامة والمعيشة فحسب، بل هو منظومة من المعاني العميقة التي تتجذر في الذاكرة، وتشحن الوجدان بطاقة الوفاء والمسؤولية. ومن هنا تتعاظم أهمية تنمية روح المواطنة، بوصفها ركيزة حضارية تسهم في بناء الإنسان، وتعزز تماسك المجتمع، وتصون مكتسباته أمام تحديات العصر.
وفي هذا الإطار تبرز كتابات البروفيسور خالد الشريدة بوصفها خطابا معرفيا يجمع بين الوعي الوطني والفكر الاجتماعي، فهو يعيد قراءة مفهوم المواطنة بعيدا عن الشعارات العابرة؛ إذ يقدم رؤية عميقة تعيد تشكيل العلاقة بين الفرد ووطنه على أساس القيم، والمسؤولية، والمشاركة الفاعلة. فالشريدة لا ينظر إلى المواطنة بوصفها انتماء جامدا، بل كفعل يومي يعكس وعي الإنسان بذاته ودوره، ويسهم في ترسيخ هوية وطنية واعية ومنتجة.
ومن هنا تأتي هذه القراءة محاولة للاقتراب من ملامح الفكر الوطني التنموي الذي يقدمه الشريدة، واستجلاء رؤيته في بناء المواطنة القوية، واستكشاف أدواته في صياغة وعي وطني قادر على مواجهة التحديات وصناعة المستقبل.
ينطلق الشريدة في حديثه عن الوطن من مسلمة مفادها أن المواطن الحقيقي هو من يجعل وطنه محور اهتمامه وقضيته، ويبذل جهداً متواصلاً في رفعته وأمنه.
وأن الوطنية: تحمل في طياتها كل معاني الانتماء والحب والولاء والوفاء للمكان الذي يتوطن فيه الإنسان. والمواطنة: هي تجسيد كل هذه المعاني في الواقع الاجتماعي.
ورقي المواطنة هو أن تعيش هم وطنك واهتماماته.. وأن تمثله خير تمثيل سواء أكنت في داخله أو خارجه.. وأن تسعى لرفعته.. والإسهام في كل ما يخدم أمنه وتنميته.
فالوطنية فكر ومعان وصفات .. والمواطنة سلوك وفعل وتطبيقات.
ويكمل الوطنية ويتممها ويجملها النية النقية والقلب الذي ينبض بروحه الزكية في كل حركاته وسكناته وعلمه وعمله وتعملاته وتفاعلاته وعلاقاته.
ويركز د. الشريدة على أن ” قيمة الإنسان ومكانته من قيمة دولته ومكانتها، … ومن يحمل همّ وطنه يحمل في نفس الوقت همّ قِيَمه ومن هنا التفريق بين همّ الوطن/ المجتمع وقيمه وثقافته.. ومن يسكنه.. هو تجريد للإنسان عن روح مجتمعه، وبالتالي التفاعل معه بما يحقق ذاته، الفردية والاجتماعية. فأن من يحمل همّ دينه وقيمه هو في حقيقة الأمر يحمل هم مجتمعه – شعر أم لم يشعر – والعكس صحيح فمن يحمل همّ وطنه كان لزامًا عليه أن يحمل هم قيمه وثقافته ومبادئها.. ذلك أن هذا البعد هو أحد مرتكزات وطنه … بل أصلها، ومن هنا تتكامل كل من الأبعاد الوطنية والاجتماعية مع المقاصد الإسلامية.
هنا إطلالة على أبرز ملامح فكر د. الشريدة عن الوطن والمواطنة التي تتجلي:
– وعيه العميق بقيمة الوطن كمهد للقيم والعزة والهوية، واعتباره أن حب الوطن جزء لا يتجزأ من ثوابت الدين الإسلامي، حيث يربط بين تمسك الأمة بقيم الدين وازدهار الوطن واستقراره.
– أن تنمية المواطنة تقتضي تصحيح المفاهيم وتخليص المجتمع من مظاهر الفتنة والتفرقة، وترسيخ قيم البر الوطني التي تشمل الالتزام بالسلوك والأمانة والصدق والإخلاص في خدمة الوطن بكل تفانٍ.
– مواجهة الفكر الذي يدعو إلى الانفصال أو التمزق والتفرقة. وتعزيز الوعي بأن الحفاظ على ثوابت الدين والوطن هو سر القوة والعزة والتقدم. ونبذ كل مظاهر العقوق الوطني سواء في السلوك الفردي أو الجمعي.
– تكمن أهمية المواطنة الفاعلة في الرقي بالمواطنة إلى مرحلة “هم الوطن” و”تمثيله خير تمثيل” داخله أو خارجه. فالالتزام بقيم الحب والولاء لا يكون كاملاً دون التصرف المسؤول والمشاركة البناءة في خدمة الوطن وتنميته.
– يركز على أن المواطنة الإيجابية تعني الانتقال من مجرد الشعور بالانتماء إلى ممارسة أدوار فعالة في خدمة الوطن، لا سيما في ميادين التنمية الاجتماعية والقطاع غير الربحي.
– المواطن الحقيقي هو من يجعل وطنه محور اهتمامه وقضيته، ويبذل جهداً متواصلاً في رفعته وأمنه.
– التنمية الوطنية تتطلب مواطنين فاعلين يعزون رفعة وطنهم بتصرفاتهم اليومية وأعمالهم الصالحة.
– المواطنة قيمة لا تقتصر على الهوية بل تتجلى في الشعور بالمسؤولية والتضحية والعمل المتواصل.
وأبرز أصول المواطنة وتجلياتها:
المواطنة الشخصية: تمثل الهوية الوطنية في السلوك والتصرفات الفردية، مثل التحدث بلغة الوطن، وتحمل المسؤولية تجاه الوطن.
المواطنة الاجتماعية: الفعاليات والتفاعلات الاجتماعية التي تعبر عن قيم المجتمع، والتطوع لخدمة الوطن.
المواطنة المؤسسية: عمل المؤسسات في الميادين الحكومية، الخاصة، والأهلية بتكامل وانسجام يخدم رؤية الوطن.
المواطنة التعليمية والاقتصادية والإعلامية: تضمين المناهج الدراسية بالقيم الوطنية، استثمار الموارد لخدمة الوطن، وتعزيز الإعلام لسمعة الوطن وثقافته وهويته.
– العلاقة بين الدين والوطنية: ربط الاعتزاز الوطني بالمقاصد الشرعية، حيث أن تمكين الوطن مرتبط بالتمسك بالدين. فالمواطنة ليست مخالفة للثوابت الدينية بل هي امتداد لها، تجسد الإخلاص والبر والإحسان في حب الوطن.
أما أدوات تنمية المواطنة فتشتمل على :
– التربية والتعليم كأداة أساسية لغرس قيم الانتماء والولاء والحب الوطني.
– الإعلام المسؤول في خلق خطاب وطني يعزز اللحمة ويقاوم محاولات النيل من تماسك الوطن.
– العمل التطوعي والمؤسسات الأهلية كمنابر لتعزيز المسؤولية الاجتماعية والانتماء.
– الالتزام بالقيم والقوانين والأعراف الوطنية في كل الميادين.
لقد رسم الشريدة إطاراً متكاملاً لتنمية روح المواطنة الحقيقية، التي لا تقتصر على مجرد الشعور بالانتماء، بل تتجسد في عمل يومي، وفي سلوك سوي يحمل هم البناء والتنمية وصون الأمن والوحدة. هذا الفكر الوطني الذي يدمج بين الثوابت الدينية والواجب الوطني هو منبع قوة الأمة وعزتها، فكما أكد بأنه لا تنمية بلا تمسك بقيم الدين، ولا استقرار لوطن بلا مواطنين فاعلين يحملون بصدق رسالة الإخلاص والعطاء. في هذا السياق، فالمواطنة عنده هي الأساس الذي يرتكز عليه بناء المستقبل، وهي الحصن الذي يحمي الوطن من كل ما يهدده.
نزار عبدالخالق
مقالات سابقة للكاتب