كتب إلى صاحبه يحاوره:
لك أن تتخيّل بأنهم… لم يجتمعوا تلك الليلة ليحكوا ذكرياتٍ عابرة، بل ليُحاكموا الأمل نفسه، فهم معذورون… فالقلوب تفقد كثيرًا من قوتها عند محطات الانتظار… إليك القصة:
في منتصف الشهر القمري، وفي إحدى ليالي الشتاء… وبعد أن أمطرت السماء صباحًا ثلجًا خفيفًا ترك على الأرض بقايا بياض، اجتمع ثلاثة من الأصدقاء على ضوء القمر، وأمام ساحل البحر، لا يسمعون سوى صوت الموج يتلاطم بالصخر، كأن البحر يتهيّأ ليشهد حديثهم…
كان البحر بأمواجه وضبابه وزبده وفيًّا كعادته، يحفظ السرّ، ويردّ ما لا يليق بالبقاء، يحب الزيارة لا الوحدة، ويقدّر الاحترام لا الخذلان… فكل شيء لديه في موضعه فالبشر على اليابسة، والأسماك في الأعماق، وهو وحده يمارس هوايته المعتادة بين المدّ والجزر.
اجتمع الثلاثة وقد همّوا بأن يخلعوا عن صدورهم أثقال الصبر، قال أوّلهم وهو يرمق الأفق البعيد:
سرّ البقاء حين تثقل الروح وتظلّ واقفة…هو الصبر، جسرٌ للنور، ووعدٌ لا يتأخر… وحين نمنح الأمل سرعةً لا يحتملها، ينهض الصبر ليعيده إلى إيقاعه الهادئ، فالأمل بلا صبر يذبل، والصبر وحده يمنحه الاستمرارية.
فقال أوسطهم، كأنه يلتقط الحديث من قلبه لا من لسانه: صدقت… ففي لحظاتٍ تتثاقل فيها الأجساد من وَهَن التفكير، وتتداخل الأسئلة كأنها سيلٌ جارفٌ يرهق الروح، يبقى شيء واحد لا يتخلّى عنّا، شيء لا يُرى لكنه يُمسك، لا يُسمع لكنه يُطمئن، لا يُلمس لكنه يقيم القلب واقفًا.
إنه الصبر، الهبة الخفيّة من الخالق لعباده، والقاضي الهادئ في محكمة ربانية… يسمع أنين الروح دون صوت، ويزن الأشياء بميزان لا يختلّ… في ساحته تتبدّد الهزائم، وتنبعث الطمأنينة من بين شقوق الأيام، ويُعاد ترتيب ما انكسر في الداخل… بلا ضجيج ولا إعلان.
قال ثالثهم، وقد لان صوته لكنه ازداد رسوخًا: هنا، عند بوابة الأمل، يتجلّى معنى البقاء، أن تظلّ واقفًا رغم ما أثقلك، وتنظر للغد رغم عتمة اليوم، وتحفظ ما تبقّى من ضوئك، وتوقن بأن وعد الله لا يتأخر.
سكتوا قليلًا، كأنهم ينتظرون البحر ليشاركهم حديثهم…
هدأ الموج لحظة، ثم عاد إلى عزفه، كأنه يترنّم بما قيل… ثم قال الأول: الصبر ليس مجرد احتمال، ولا وقوفًا ساكنًا أمام العاصفة، بل فنّ البقاء واقفًا بينما يتغيّر العالم من حولك.. هو القوة التي تحرس الأمل، وتمنح الحلم فرصةً أخرى، حتى وإن بدا الطريق طويلًا أو مُلتبسًا.
وهو فوق ذلك كله مدرسةٌ ذاتية تعلّمك تحمّل المسؤولية، وتجنّب الزلل، وترويض التسرّع، وكبح الغضب، وتفتح للنفس بابًا إلى الاعتدال والتوازن… برنامج داخلي يمكّن الروح من محاصرة الإحباط، ومقاومة الملل، ورفع المعنويات كلما أوشكت أن تهوي.
قاطعه الأوسط مبتسمًا: لعمري… إنه وعيٌ عميق بأن ما نرجوه لا يأتي على عجل، واتساعٌ في الروح يسمح للأيام أن تعبر دون أن تكسرنا، وهدوءٌ يعرف أن لكل شيء موعدًا لا يتقدم ولا يتأخر،
وإصرارٌ مهذّب لا يصرخ… لكنه لا يتراجع… وكأن الصبر موقفٌ وفلسفة، وبصيرة ترى الزمن شريكًا لا خصمًا… قدرة الصبر على حماية الأمل… كالجذور تبقي الشجرة حيّة في أقسى الفصول.
وأضاف الثالث: الصبر حالة إنسانية كاملة، حين تتأخر الإجابة يهمس لك (ما زال هناك متّسع للفرح) وحين يحدّثك الخذلان، يقول (القيمة لا تسقط بخذلان العابرين) وحين تضيق الدنيا، يفتح نافذة صغيرة لضوء بعيد… لكنه يكفي.
الصبر جسرٌ من نور تمتد عليه خطواتك نحو الغد، يمتد رغم الانكسارات، ويثبت رغم العواصف،
لأن الأمل مهما خفت لا يموت ما دام هناك قلب يحرسه.
ثم قال الثالث وقد امتلأت نبرته صدقًا: تعلمان… كنتُ قريبًا من الانهيار يومًا، لكن صبرًا صغيرًا غيّر حياتي كلها.
ومضى يكمل: وفي البيوت تجد للصبر أشرف موطئ… بين الزوجين، وبين الوالدين وأبنائهم، بين الإخوة بعضهم مع بعض… إنه صبر يشدّ عرى المودة، ويقيم البيوت على الرحمة لا المثالية…
على التفاضل، والتغافل، ورجاء أن (لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا).
اندفع موجٌ أقرب إليهم، كأنه يوقّع موافقته على ما يُقال.
فقال الأوسط: وحين يخرج الناس من بيوتهم، يجدون الصبر يحفّهم في محيط أوسع، مع الأسرة الممتدة، والقرابة، والجيران، والأصدقاء… صورٌ شتّى، منها ما يثمر خيرًا، ومنها ما يرهق النفس،
فيتساقط الصبر عند أول اختبار… وكأنك في رحلة تأمل، تتمدد فيها الأرواح على اتساع البحر نفسه… حتى في مجالس العلم وتلاوة الكتاب… فالقصص التي تحدثت عن الصبر تمسّ جوهر النفس الإنسانية، لأنها عند خالقها عظيمة الشأن، رفيعة المكانة.
أطرقوا جميعًا، وكأن الموج يشاركهم ما تبقّى من الحديث.
ثم قال أحدهم: إذن… الصبر ليس ما نفعله، بل ما نصبح عليه…!
عادوا يسيرون والسحب تتراكم، وضوء القمر يخفت…
ويردد أحدهم (أهل الصبر… أصفى الخلق قلوبًا، وأوسعهم صدرًا، وأقربهم إلى الحكمة، ولولا الصبر لانطفأ كثير من الأمل، وتعطّلت أيام، وتكسّرت أرواح).
هنا رُفِعت الجلسة… وانتهت قصة الثلاثة، شدّ بعضهم بعضًا، وتيقّنوا أن حياتهم لن تستقيم إلا بمرافقة الصبر والانتفاع بثماره… أرسل إلى صاحبه القصة… علّها تؤنس باله، وتزرع في قلبه مزيدًا من الطمأنينة.
فجاءه الرد:
إن الصبر في بيئة العمل له وجه آخر، هو احتمال الوِشاية حين تُختلق، والتقصير حين يتكرّر،
والإخلال حين يرهق القلب، والجَهد حين يُساء فهمه، والصفح حين يُغفل شكره… إنه مشهدٌ من مشاهد الإدارة… لكنّه في جوهره فَنّ البقاء الإنساني داخل المنظومة.
وأما البيوت… فلولا أنها أوطان القلوب وحقول الأسرار، لكتبنا كثيرًا، لكن للبيوت حرمتها، ولأسرارها سترٌ جميل، وللقلوب حقّ ألا تُروى إلا لمن خلقها وكفى.
وبعد أن أنهى قراءة ما كتبه صاحبه… أيقن أن الوقت قد آن ليُحدّثه حديثًا لا يشبه كلام الناس، فقال له: يا مثقلاً بما لا يُقال… يا من تُحارب بصمت، كأن في صدرك ما لو نطق لاهتزّ له القلب…
اصبر، فإن ما تمرّ به مهما اشتد ليس نهاية الطريق، بل منعطف رحمة، ودرجة من درجات تطهيره.
فما من دربٍ طال بصاحبه إلا وكان الصبرُ الضوء الأخير الذي يرشده، وما من قلبٍ صدق في رجائه إلا رزقه الله فرجًا يليق بصدقه.
الصبر لا يقصّر الطريق… لكنه يضيئه، والابتلاء لا يأتي ليكسرنا، بل ليعيد ترتيب أرواحنا، وستدرك يومًا أن الصبر لم يكن يومًا ثِقلاً على كتفيك، بل الذراع الخفيّة التي أسندتك حين ينوء الجسد، واليد التي رفعت رأسك حين هبط كل شيء من حولك.
وتدرك أنه لم يُطل المسافة… بل كان الجسر الوحيد الذي عبرت عليه دون أن تتبعثر خطواتك،
وأنه لم يكن صمتًا… بل حديثًا خفيًا بينك وبين بارئك.
ثم تنظر إلى ما مضى… فتعرف أن كل جرح كان مفتاحًا، وكل عثرة كانت درجة، وكل تأخر كان تمهيدًا لما يستحقّ روحك.
وفي محكمة الأمل لا يُدان أحد، ولا يُحكم على أحد، بل يُنصَف القلب بقدر يقينه، ويُكرَم الصابر على قدر صموده، وتعود إليه أحلامه في اللحظة التي يحتاجها حقًّا.
وهكذا… حين تثقل الروح وتظلّ واقفة، يتمّ الدرس، ويتجلّى النور، وتعلم يقينًا لا شكّ فيه أن الصبر لم يكن احتمالًا… بل سرّ البقاء، ووعد الفرج، وطريق الوصول، وأن أجره فوق ما تُدركه العقول، وتسعه الأفئدة، وتبلغه الظنون.
عبدالله عمر باوشخه
مقالات سابقة للكاتب