وسط ضجيج المعتمرين؛ هذا يدعو، وذاك يبكي، وآخر يعلو صوته. وبين هذا وذاك نسمع صوتًا قادمًا من بعيد… صوت امرأة تتضرع وتبكي، وصوتها يقترب منا شيئًا فشيئًا وهي تدعو بحرقة.
يقترب صوتها حينًا ويبتعد حينًا آخر، ونحن نتبعه بآذاننا.
أخذني ذلك الصوت إلى مدى بعيد، وسرحت بخيالي في رحلة الحياة، عندما بدأ الزوجان مشوار الحياة، وكلاهما يحمل تطلعات بأن يبنيا عشًا سعيدًا كسائر المخلوقات التي خلقها الله لتعبده وتسبّحه، كلٌّ حسب ما أعطاه الله من صفات العبودية. لقد عاشا وحيدين يتبادلان المحبة، وكلاهما عازم على عيش حياة سعيدة، ويتطلعان إلى من يبادلهما المحبة من ذرية صالحة.
(نسأل الله لنا ولكم الذرية الصالحة التي تعيننا على الخير).
شدّني إلى كتابة هذا المقال سماعي لتلك السيدة وهي تدعو على ابنها بأقسى عبارات الدعاء وأشدها، وتجهش بالبكاء، وترفع يديها وصوتها بالدعاء عليه وتُصوِّره للناس.
ما أجمل الوالدين إذا أحسنّا خدمتهما كما أوصانا الله! فلم يُوصِ بطاعة أحد غيرهما إلا هو. قال تعالى:
{ووصّينا الإنسان بوالديه إحسانًا، حملته أمه كرهًا ووضعته كرهًا، وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا} – سورة الأحقاف.
بعد أن يرزق الله أحدنا بطفل، بنتًا كان أو ولدًا، يبني الوالدان الآمال في أن يقوم هذا الابن بخدمتهما وطاعتهما، ويشاركهما حلو الحياة ومرّها. يحضنانه بحب وسخاء، ويحسنان تربيته، ويسعدان له، ويسهلان له الطريق، ويخافان عليه من كَدَر الحياة.
وبعد أن يشتد ساعده ويبلغ مرحلة من العمر ينتظران منه شيئًا مما أمِلاه فيه من رجاء… فإذا بهما يكتشفان التمرد والتنصّل والعصيان والعقوق – أعاذنا الله وإياكم.
هنا تكون المواقف المحزنة. يتذكران كيف كانا حريصين على سعادته وفرحته، وكيف أفنيا عمرهما ليُنعماه برغد العيش؛ ليحيا حياة سعيدة، وهو يقابل كل ذلك بنكران الجميل.
فهل يستحقان ما قابلهما من عقوق؟
وهل يكون دعاؤهما له… أم عليه؟!
أنا معكم: أُقِرُّ بأن غضب الآباء والأمهات على أبنائهم حقّ، ولكن لا يصل الأمر إلى الدعاء عليهم وسط المسجد الحرام وأمام الكعبة المشرفة… إلا أن يكون المصاب جللًا، والأمر كبيرًا، والغضب قد بلغ منتهاه.
نسأل الله أن يغفر لوالدينا ووالديكم في حياتهم وبعد مماتهم.
أ/ عبد المحسن الشيخ
مقالات سابقة للكاتب