دار حوار بيني وبين أحد الأصدقاء، طاهر القلب، نقيّ السريرة، محمودٌ بذكر والده، يتقدّم بعض المشاهد الاجتماعية والمناسبات، ويتصرف بما يعكس رغبةً ظاهرة لديه في حب الحضور وتصدُّر المشاهد، وذلك على عكس طبائع وسلوكيات أسرته الذين عرفوا بحسن السيرة وخدمة الناس دون السعي إلى الشهرة والتصدر، وقد راودني القلق من تلك المظاهر في زمن صار فيه المظهر أهم من الجوهر، فبادرتُه بالسؤال: إنك تُحب أن تتصدّر المشاهد، ولو كان ذلك على حساب صدقك وقيم أسرتك؟ فأجاب بلا تردّد: لا… ولكنني أحب أن أكون وجيهًا.
توقّفت عند الكلمة طويلًا؛ كأنها طرقت باب المعنى لا باب اللفظ. فما الوجاهة إذًا؟ أهي مجرد حضورٍ وظهور في الصفوف الأولى؟ وتصدُّرٍ للصور وشاشات التواصل؟ أم منزلةٌ تمنحها القلوب قبل أن تنطق بها الألسنة؟ أم هي مجموعة من منظومة القيم الراسخة التي لا تبدلها المواقف والظروف؟ وكيف يكون الإنسان وجيهًا في الدنيا والآخرة، وهل السعي للوجاهة محمود أم مذموم؟
فالوجاهة في معناها الاجتماعي لفظٌ جذاب تتطلع إليه النفس البشرية؛ إذ تحمل في طيّاتها معاني المكانة والاعتبار، والتقدير تلازم من يتصف بها، ولكن الوجاهة، في جوهرها، ليست تصدرا للمشاهد وصعودا على المنصات ولا سباقًا على الصدارة، بل ثباتًا في المواقف والضغوطات.
فالوجيه الحقيقي ليس من يعرفه الناس بأعدادهم، بل من يطمئنون إليه بقلوبهم. لا يُرى لأنه يطلب أن يُرى، بل لأن حضوره يفرض نفسه بلا ادّعاء. إذا تكلّم لم يُجامل على حساب الحقيقة، وإذا سكت كان سكوته حكمة لا خوفًا. يُستشار لا لأنه الأعلى صوتًا، بل لأنه الأصدق نظرًا، وتنبع وجاهته من صفائه الداخلي لا من ترتيب جلوسه ولا من عدد أضواء الكاميرات من حوله.
إن الوجاهة يا صديقي مقام اجتماعي وأخلاقي يكتسب بالصدق، ويترسخ بالعلم والمعرفة والثقافة أو الكرم، وتثبته حُسنُ السيرة بين الناس؛ فالوجاهة الحقة ليست لقبًا يمنح، ولا مكانة تشترى، بل مزيج من الخلق والمروءة. أما المال والمنصب، فليسا أكثر من مظاهر قد تزين الاسم حينا، لكنها لا تصنع وجاهة حقيقية، ولا تمنح صاحبها احتراما يدوم.
إِذا المَرءُ لَم يُدنَس مِنَ اللُؤمِ عِرضُهُ فَكُلُّ رِداءٍ يَرتَديهِ جَميلُ
إن الإنسان الوجيه ليس من يتقدّم الناس حضورًا، بل من يتقدّم نفسه انضباطًا؛ فيجاهد هواه، ويكبح نزواته وأطماعه، ويُحسن إدارة انفعالاته وتصرفاته، واضعًا ذلك كلّه في إطار إرادة الله وحدوده وتشريعاته. فالوجاهة الحقيقية تبدأ من الداخل، حيث يستقيم السلوك قبل أن يُطلب له الاعتبار.
وكذا هو في مواقفه، صاحب شرفٍ وكرامة، عفيفٌ في نفسه وتعاطيه، لا يخاصم طلبًا للغلبة، ولا ينازع ابتغاء النفوذ، ولا يفسد بين الناس لمكسبٍ عابر، ولا يعتدي على حقوقهم أو حرماتهم أو أموالهم. إنه يدرك أن المكانة لا تُصنع بالصوت العالي، بل بحفظ الحقوق، وصون الكرامات.
مؤمنًا بأن ما يرضي الله وحده هو الذي يمنح الإنسان وجاهته الصادقة وأثره الباقي، ولو حرمه شيئًا من حظوظ الدنيا.
والوجيه في الدنيا هو من يثبت تلك الوجاهة فعلًا لا قولًا؛ بنوايا خيّرة، ومشاعر عامرة بالرحمة، ومواقف مشرفة تتجلى فيها المحبة والمسؤولية.
“يتطلّب موقع الوجيه عقلًا راجحًا قبل أي شيء، ومنطقًا متزنًا يزن به المواقف، وقدرة واعية على الحديث وإدارة الحوار دون انفعال أو تعالٍ، يُحسن توظيف الحُجج، واستدعاء الأمثلة، واستحضار الوقائع السابقة، لا ليغلب خصمًا، بل ليقنع رأيًا، ويُطفئ خلافًا، ويُقرّب وجهات النظر.
أما الوجاهة عند الله -سبحانه وتعالى- فليست حكرًا على الأغنياء دون الفقراء، ولا على الفقراء دون الأغنياء. سبيلها صراط مستقيم، واضح المعالم، بيّن المسالك، ميزانه العمل الصالح وصدق المقصد. تبلغ هذه الوجاهة أوجَها بالجمع بين العلم والإيمان والاشتغال بذكر الرحمن، كما قال تعالى:: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ) [المجادلة: 11]
الوجاهة في معناها العميق ليست منصبًا ولا شهرة، بل مكانة نابعة من الصدق، والثبات على القيم، ونقاء السريرة ونفع الناس، ولهذا جاء الوصف القرآني بليغًا حين قال الله تعالى عن نبيّه موسى عليه السلام:
﴿وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ فلم تكن وجاهته لسلطانٍ أو نفوذ، وإنما لصدق التوحيد، وعدالة الموقف، ورفض المساومة على الحق مهما اشتدّ الأذى.
فمن كان عند الله وجيهاً استحق الشرف، ونال أعظم الرفعة في الدنيا والمنزلة العالية في الآخرة، وهذه لا تكون إلا للأنبياء وأتباعهم ومن سار على منهجهم واقتفى أثرهم، فهؤلاء أهل الوجاهة في الدنيا والآخرة.
إن الوجاهة المرتبطة بالدين والعمل الصالح والإخلاص لله، فهي الوجاهة الحقيقية يمنحها الله لمن يشاء من عباده، فيكون صاحبها بركة على الناس في كل أحواله، وهذا الوجيه تكون له مكانة في القلوب واحترام ثابت في النفوس، حتى ولو لم يكن ذا منصب وجاه، وأما حقيقة الوجاهة في الآخرة فهي أن يكون الوجيه في مكان عليّ ومنزلة عند الله. (د عبد الله الشثري).
وهناك جملة من الشروط التي يجب توافرها عند استعمال الوجاهة في المعاملات الاجتماعية ليكون استعمالها مباحًا، كما ذكرها الباحثون منها:
-أن تستعمل فيما فيه نفع لا فيما فيه ضرر، سواء للفرد أو المجتمع.
– أن تقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.
– أن يكون استعمالها منضبطًا بالأصول الشرعية، بعيدًا عن المخالفات؛ فلا فتنة تُغذّى، ولا نميمة تُستثمر، ولا باطل يُغطّى باسم الإصلاح.
-أن لا يُربط استعمال الوجاهة بمقابل مادي أو منفعة شخصية، ولا يُرجَّح طرف على آخر لمجرد القرب أو الدفع، بل يُقدَّم صاحب الحق لكونه صاحب حق.
-أن تُوظَّف الوجاهة في الإصلاح بين الناس، لا في تعميق الخصومات، وفي رأب الصدع لا توسيعه.
– أن يكون من مقاصدها ردّ الحقوق إلى أصحابها، وصون كراماتهم، لا استعراض النفوذ أو تكريس الهيمنة.
أما الوجاهة المذمومة فهي تلك التي تتحول من مقامٍ للإصلاح إلى أداةٍ للظلم، تُستعمل لطمس الحق لا لإظهاره، ولترجيح المصالح لا لإقامة العدل، هي وجاهةٌ تُشترى بالمنافع، وتُدار بالأهواء، وتُزيَّن ظاهرًا بينما تخفي في باطنها الإفساد والفرقة. فلا أثر لها في القلوب، ولا بقاء لها في الضمائر، لأنها قامت على غير حق، وسارت بغير هدى.
إن الوجاهة في الدنيا، يشترك الناس في أسبابها وصورها، بينما لا يفوز بوجاهة الآخرة إلا الأنبياء ومن تبعهم وسار على نهجهم. وتلك الوجاهة التي أكرم الله بها أنبياءه أسمى وأرفع من وجاهة أهل الدنيا؛ لأن الوجيه في الدنيا من غيرهم قد يُقدَّر ظاهرًا في أعين الناس، ويُقبل عليه بعضهم تزلّفًا وطمعًا فيما يملك من عرض الحياة، فهي وجاهة مؤقتة تنقضي بانقضاء أسبابها، ولا تترك أثرًا صادقًا في النفوس، بل قد يخالطها في الباطن كراهة أو بغض أو انتقاص.
نزار عبد الخالق
مقالات سابقة للكاتب