قراءة في الذاكرة
«كانت (العين) مصيفًا لأهل خليص»
نكتبها ونُشكّلها؛ كأنما هي جملة في كتب النحو.
غابت (العين) عن العين، وعن التاريخ. غابت أثرًا ورواية. لم يعد هناك مكانٌ معيّنٌ بمساحته وحدوده، واسمه ووصفه. حلّ اسم (العزيزية) بديلًا، واستوطن الذاكرة بوصفه أحد التحوّلات التي غيّرت رؤية التفكير، وتصدّرت واجهات اهتمام المجتمع.
غابت (العين) المصيف = الراحة المستقطعة من نَصَب الوقت، وغَلَبة جهاد المعاش. كانت (العين) وفرةً من التمور والظل والترفيه، واستعادةً للمرح والطفولة، وجرعاتٍ من النوم والأحلام، وتسريعًا لإيقاعات المشاعر التي تباطأ نبضها تحت عيون الرقابة!!!
لكن عن أيّ (عين) نتحدّث؟!
قلنا في المقال (٢٢) من هذه السلسلة ما نصّه:
«اكتفى التاريخ بوصفها – خليص – محطة استراحة ابتداءً من القرن الثالث الهجري، ولم يذكر من مصادر مياهها سوى عين (بزيع)، وهي لم تكن غير واحدة من (سبع عيون)، ولولا المعرّفات التي أسعفتنا لسقطت من ذاكرة التاريخ، وهي كالتالي: (عين الحميمة – عين اللصب – عين المضيق – عين بزيع – عين البعارين – عين المقوع – عين الفرج = لعلها: الفلج)»
ولم نفصّل فيها، وهي كالتالي:
أولًا: عين الحميمة
من أشهر العيون وأغزرها. تقع في الجهة الشمالية الشرقية من خليص، وكانت تسقي مزارع النخيل والقمح، ويُقال إن ماءها كان عذبًا وباردًا.
ثانيًا: عين اللصب
من العيون القديمة جدًا. كانت تجري في وادٍ تحيط به المزارع، ويُذكر أنها كانت تسقي أراضي واسعة لأهالي خليص.
ثالثًا: عين المضيق
تقع في مضيق جبلي شرقي خليص، ويُروى أن ماءها كان يخرج من صخور صلبة، وتُعد من العيون الطبيعية الجميلة.
رابعًا: عين بزيع
من العيون التاريخية التي كانت تمدّ خليص بالماء، ويُقال إنها كانت قريبة من طرق القوافل المتجهة إلى مكة والمدينة.
خامسًا: عين البعارين
تقع في منطقة زراعية قديمة، وسُمّيت بهذا الاسم لكثرة ورود الإبل عليها، وكانت من موارد الماء المهمة.
سادسًا: عين المقوع
تقع في حي المقوع، وتُعد من أقدم العيون التي اعتمد عليها الأهالي، إذ كانت تسقي بساتين النخيل ومزارع الذرة والسمسم.
سابعًا: عين الفرج
من العيون المعروفة في خليص، ويُقال إنها كانت تسقي المزارع المحيطة بحي الفرج (لعله الفلج)، وظلّ أثرها قائمًا فترة طويلة.
ربما – أظن ولا أجزم – أن (العين) مصيف أهل خليص التي كانت تستقطب رحلتهم في موسم جني التمر، هي بقيةٌ مستأنسة من (عين بزيع) في أواخر عمرها، قبل أن تغادر دون توديع، إلا من ذكرى حفظها الأوّلون ونقلوها للأجيال؛فـ «شكرًا للذين لم يهبونا دفء الرفقة، وهبونا دفء الحبر، وكانت الكتابة العِوَض».
محمد علي الشيخ
مقالات سابقة للكاتب