في عالمٍ تتسابق فيه الأصوات، وتزدحم فيه المنصّات، وتشتبك فيه الحقيقة مع زيفٍ يحاول أن يتخفّى في هيئة خبر ؛ يبقى السؤال قائماً : من هو الإعلامي؟ ومن هو ذاك الذي يستحق أن يُحمَّل أمانة الكلمة، ويُؤتمن على وعي الناس، ويُمنح حقّ مخاطبة العقول قبل الآذان؟
الإعلامي – في جوهره – ضميرٌ ناطق، ومسؤوليةٌ تمشي على قدميها، وصوتٌ لا يخون الحقيقة مهما ضاقت به الطرق، وليس صورةً تلمع، ولا مقطعاً ينتشر، ولا حضوراً يقف على منصة ثم ينصرف.
هو ذاك الذي يُمسك الحقيقة بيد، والوعي باليد الأخرى.. يبحث، يتحقق، يوازن، ثم يقدّم المعلومة للناس كما لو كان يضعها بين يدي وطن.
هو الذي يعرف أن الكلمة قد تبني، وقد تهدم.. وأن الجملة التي تُقال في ثانية قد تُشعل رأياً عاماً، أو تشكّل وعياً جديداً، أو تُربك عقولاً تبحث عن النور ! لذلك ، لا يحمل لقب “إعلامي” إلا من كان أهلاً للضياء، لا عاشقاً للأضواء.
▫️هل كل من حمل كاميرا صار إعلامياً؟
في زمن الهواتف الذكية، صار التصوير يسيراً، والنشر أسهل، لكن السهولة لا تمنح الشرف المهني.
ليس كل من التقط مشهداً أصبح إعلامياً، ولا كل من كتب مقالاً صار صاحب رسالة، ولا كل من ركب موجة “الترند” أصبح مؤثراً يستحق أن يُتّبع.
إن الإعلام مهنة.. وفكر.. ووعي.. وثقافة.. وانضباط.
وليس كل وهج في الفضاء الرقمي يُسمّى نجماً.
▫️الإعلامي بين المؤلف والشاعر
قد يؤلف الكاتب كتباً عميقة، لكنه يبقى مؤلِفاً لا إعلامياً، ما لم يمارس دور الإعلام في بحثه ونقله وتحليله، وقد يصدح الشاعر في المحافل، فتتبع القصيدة صدىً من الإعجاب، لكنه يبقى شاعراً لا إعلامياً، ما لم يتحول صوته إلى أداة وعي وممارسة إعلامية واضحة.
فالشّهرة ليست بطاقة عبور للمهنة، والإبداع الأدبي ليس امتداداً تلقائياً للإعلام والتفريق بينهما دقيق يدرك معناه الإعلامي الجيد.
▫️اشتراطات الإعلامي الحقيقي
الإعلامي الذي يستحق اسمه هو من لديه:
١. صدق لا يتلوّن، فالخبر بلا أمانة يصبح سُمّاً تنفثه كلمات.
٢. علم ومعرفة، فكيف يوجّه الرأيَ العام من يجهل ما وراء الخبر؟
٣. لغةٌ تحفظ هيبتها، لأن الإعلامي سفيرٌ للحرف، وصوته مرآة لأخلاقه.
٤. وعيٌ بالزمن والحدث، يدرك أثر المعلومة، ويعرف أن كل ما يقوله يُبنى عليه رأيٌ واتجاه.
٥. حس إنساني، فيعرف متى يصمت، ومتى يتكلم، وكيف يضع الكلمة في موضعها الذي لا يجرح ولا يضلّل.
▫️ماذا يقدم الإعلامي؟
الإعلامي الحقيقي لا يقدّم “خبراً” فقط.. بل يقدّم فهماً، لا يقدّم “حدثاً” بل يقدّم ما وراء الحدث، لا يقدّم “صورة” بل يقدّم وعياً يُبنى عليه موقفٌ واتجاه، فهو جزء من صناعة الرأي، وصانع لمستقبل الوعي.
▫️كيف يكون الإعلامي العربي؟
يكون ثابتاً في زمن يتغير كل شيء فيه، رصيناً حين تُغري الضوضاء، هادئاً حين تعلو الأصوات، وصادقاً حين يتداخل الحق بالباطل، يتصف بقوة اللغة، وسعة الثقافة، وشرف الموقف، مع عمق التحليل، والقرب من الناس، منتمياً لوطنه بصدق لا بشعارات.
فليس كلُّ من بهر ظهر، وليس كل من رفع الهاتف رفع الوعي، وليس كل من كتب الكلمة وُهب.. الإعلامي الحقيقي هو ذاك الذي إذا نطق صدّقته، وإذا كتب اطمأننت له، وإذا أخطأ تراجع معتذراً فاحترمته.. ذلكم هو الإعلامي الذي يليق بالمشهد العربي، وتليق به أمانة الكلمة، ويليق أن يُكتب اسمه في ضوء الحقيقة.. فهل أنت إعلامي حقيقي؟
أحمد القاري
المدينة المنورة
a.a.qari@hotmail.com
مقالات سابقة للكاتب