في عالمٍ تتسارع فيه التحولات الاجتماعية والثقافية، لم يعد تطوير الذات ومواكبة المستجدات خيارًا مؤجلًا، بل أصبح ضرورة تفرضها طبيعة العصر ومتغيراته المتلاحقة. فالمجتمعات لا تقف عند نقطة ثابتة، والإنسان الذي يختار الانغلاق على ذاته، رافضًا التغيير أو متحصنًا خلف مفاهيم وعادات موروثة دون تفكير أو مراجعة، يجد نفسه مع مرور الوقت أمام صعوبة متزايدة في التأقلم مع الواقع الجديد.
وتشير التجارب الاجتماعية إلى أن التغيير حين يُؤجَّل، يتحول من عملية طبيعية وسلسة إلى صدمة مفاجئة قد تأتي بنتائج سلبية. فكلما طال الانغلاق، زادت الفجوة بين الفرد ومحيطه، وأصبح التكيف المتأخر أكثر تعقيدًا وأقل أمانًا، وقد يفرض نفسه بشكل قسري لا يراعي التوازن النفسي أو الاجتماعي.
إن التمسك بالعادات والقيم أمرٌ محمود حين يكون نابعًا من وعي وفهم، لا من تعصب أو رفض أعمى لكل جديد. فالمشكلة لا تكمن في المحافظة على الموروث، بل في نقله دون تفكير إلى أجيال تعيش واقعًا مختلفًا في أدواته، وتحدياته، وأسلوب حياته. وهنا تظهر ما يُعرف بـ”صدمة المفارقة”، حين يصطدم الفرد أو المجتمع بتغيرات كان يمكن استيعابها تدريجيًا لو فُتح باب القراءة، والحوار، والاطلاع المبكر.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية السعي الدائم إلى تطوير الذات، ليس فقط على المستوى المهني أو المعرفي، بل أيضًا على مستوى الوعي الاجتماعي والإنساني. فالمواكبة لا تعني التخلي عن الهوية، ولا الذوبان في أنماط دخيلة، بل تعني فهم الواقع والتفاعل معه بوعي، مع الحفاظ على القيم والمبادئ التي تشكل أساس الشخصية والمجتمع.
كما أن الاختلاف بين الأفراد أمرٌ طبيعي وصحي؛ فلكل إنسان شخصيته الخاصة، وأسلوبه في التعبير، ورؤيته للحياة. قد تجمعنا قيم مشتركة، ومبادئ عامة، وعادات راسخة، لكن طريقة طرحها وتطبيقها قد تختلف من شخص لآخر، وهذه ليست جوهر القضية. فالقضية الأهم أن نتفق على احترام هذا الاختلاف، وألا يتحول إلى صدام أو قطيعة، بل إلى مساحة للتكامل والتفاهم.
وفي ظل المتغيرات المتسارعة، تبقى القراءة، والاطلاع، والانفتاح الواعي على التجارب، أدوات أساسية لبناء إنسان متوازن، قادر على التكيف دون أن يفقد ذاته. إن السعي لأن نكون أفضل، والطموح لمستقبل أجمل، يبدأ بخطوة وعي، ويستمر بإرادة تطوير، حتى نواكب المجتمع دون أن نتصادم معه، وننتمي للحاضر دون أن نقطع جذورنا.
مقالات سابقة للكاتب