كثيرًا ما يُذكر الصبر، فينصرف الذهن مباشرةً إلى صورٍ مألوفة:
مرضٌ أرهق الجسد، أو مصيبةٌ كسرت الخاطر، أو ابتلاءٌ نزل على غير انتظار؛
حتى كأن الصبر لا يُستدعى إلا مع الألم، ولا يُستحضر إلا عند الفقد.
غير أن الصبر – في حقيقته القرآنية والواقعية – أوسع من المصائب، وأقرب إلى تفاصيل حياتنا اليومية مما نظن؛
فالصبر ليس حالةً طارئة، بل هو رفيق العمل، وسرّ الاستمرار، ومفتاح الثبات في ميادين لا تُحصى.
خرجتُ ذات مساءٍ من صلاة العشاء، فمرّ بي مشهدٌ بسيط في ظاهره، عظيم في دلالته:
رجلٌ كبير في السن، جالس في مسجد، وإلى جواره طفلٌ صغير، في السابعة أو الثامنة من عمره، يُلقّنه آياتٍ من كتاب الله؛ يعيد عليه، ويُمهل، ويُصحّح، ويُشجّع، دون ضجرٍ أو تبرّم.
فقلت في نفسي: هذا صبرٌ عظيم… لكنه صبرٌ لا يُلتفت إليه كثيرًا.
ذلك المعلّم لم يكن في موضع مصيبة، ولا في حال بلاءٍ ظاهر، ومع ذلك كان في عبادةٍ صامتة، وصبرٍ طويل، واحتسابٍ خفي.
فكم يحتاج تعليم الصغار إلى صبر؟
وكم تحتاج التربية، والتوجيه، والتقويم، إلى نفسٍ طويل، وقلبٍ واسع؟
وهنا يتجلّى المعنى الأعمق للصبر:
ليس الصبر محصورًا في تحمّل الألم، بل هو تحمّل المسؤولية، وليس مقصورًا على المرض، بل هو الثبات على الطاعة، ومواصلة العمل، ومجاهدة النفس.
فالمعلّم في حلقات التعليم،
وطالب العلم في طريق التحصيل،
والمربّي في بيته،
والأب مع أبنائه،
والأم في تربية أولادها،
والداعية في دعوته،
والجار مع جاره،
والزوج مع زوجه…
كل أولئك يعيشون مع الصبر يومًا بعد يوم، وساعةً بعد ساعة، دون أن تُرفع لهم لافتات، أو تُدوَّن لهم مواقف.
وتتجلّى دقّة التعبير القرآني في قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾؛
فقد حُذِف متعلَّق الصبر، فلم يقل: الصابرون على ماذا؟
ليعمّ كل ما يحتاج إلى صبرٍ في هذه الحياة:
صبرًا على طاعة، أو عن معصية، أو على أقدار، أو في تعليم، أو في تربية، أو في إصلاح، أو في بذلٍ مستمر.
وهذا الحذف البلاغي ليس عفوًا، بل هو توسعةٌ للمعنى، وفتحٌ لباب الأجر على مصراعيه؛
فكل موطنٍ يحتاج إلى صبر، فهو داخل في وعد الله: أجرٌ بغير حساب.
وقد أحسن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين لخّص التجربة بقوله:
«وجدنا خير عيشنا بالصبر».
فبالصبر تُستدام الطاعات، ويهون الطريق، ويُبارك في الجهد، ويثبت العامل حتى يبلغ.
إن كثيرًا من الناس يعملون، ويصبرون، ويثبتون… لكنهم يذهلون عن استشعار الأجر،
ولو استحضر العامل مقام الصبر، وعِظَم الجزاء، لكان ذلك من أعظم الحوافز على الثبات، ومواصلة الطريق دون كللٍ أو ملل.
فطوبى لمن صبر في موضعٍ لا يراه الناس،
واحتسب في عملٍ لا يُصفّق له،
وثبت في طريقٍ طويل لا تُحصى خطواته.
ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الصابرين المحتسبين،
وأن يفتح لنا في الصبر أبواب الأجر، وأبواب الفهم، وأبواب القبول.
أ.د. مشعل بن حميد اللهيبي
جامعة أم القرى -كلية الدعوة وأصول الدين- قسم الكتاب والسنة
مقالات سابقة للكاتب