الدمام: ذاكرة الجمال والناس والحب!

مدخل:
قبل ثلاثة عقود – أو يزيد قليلاً – لم تكن الدمام على صورتها اليوم. كانت مدينة تتكوَّن من أحياء بسيطة، ووجوه متعارفة، وإيقاع حياة أبطأ، لكنه أكثر صدقاً. لم تكن العمارة قد ابتلعت الذاكرة، ولم تكن المصالح قد غلبت القيم، وكان المكان لا يزال يحتفظ بصوته الإنساني الخافت!

الدمام آنذاك لم تكن تُقاس باتساع شوارعها، بل بعمق علاقاتها، ولم تكن تُعرف بمشاريعها، بل برجالها ونسائها، وبالذاكرة التي كانت تُصنع كل يوم دون أن نشعر.

المدن لا تكبر فقط حين تتوسع عمرانياً، بل حين تتراكم فيها الحكايات. والدمام واحدة من تلك المدن التي اختبرت التحول الكبير؛ من مدينة ساحلية هادئة إلى عاصمة إدارية وميناء رئيسي للمنطقة الشرقية، ومركز تجاري وسكني نابض بالحياة!

موقعها الجغرافي على ساحل الخليج العربي، محاطة بالماء من ثلاث جهات، منحها بعداً استراتيجياً واقتصادياً، لكنه في الوقت ذاته منحها روحاً بحرية خاصة؛ روح الانفتاح والترحال والتعدد. فالمدينة التي يلامسها البحر لا يمكن أن تكون منغلقة، ولا جامدة.

وبالرغم من أن بعض الدراسات التاريخية تشير إلى أن منطقة الدمام كانت مأهولة منذ أواخر العصر الحجري، حيث عُثر على آثار مستوطنة قرب عين السيح جنوب الخبر، فإن المدينة عرفت انبعاثها الحقيقي عندما أعاد الدواسر ومن معهم من الهولة إحياءها بعد هجرتهم من البحرين إلى المنطقة الشرقية. ولا يزال أحد أقدم أحيائها يحمل اسمهم: حي الدواسر، شاهداً على الجذور الأولى.

ومع اكتشاف النفط في ثلاثينيات القرن الماضي، بدأت الدمام مرحلة جديدة؛ مرحلة التحول الكبير. تدفَّق الناس إليها من مختلف مناطق المملكة، من الوسط والجنوب والشمال، فصارت مدينة جامعة، تتشكل هويتها من تنوع أبنائها، لا من انتماء واحد!

حتى اسم الدمام يحمل دلالة فلسفية وإنسانية. فالتسمية، كما يروي أبناء المدينة، تعود إلى صوت الطبول التي كانت تُقرع لاستقبال الصيادين العائدين من البحر، خاصة في أوقات الضباب وانعدام الرؤية. كان “الدمّام” هو الصوت الذي يهدي العائدين، تماماً كما تفعل المنارة البحرية بالضوء.

هكذا وُلد الاسم من الحاجة، ومن الخوف، ومن الأمل. من صوت الإنسان وهو يطمئن إنساناً آخر. وما أجمل المدن التي تبدأ أسماؤها بنداء!

لكن، مثل كل المدن التي تكبر بسرعة، تغيَّرت الدمام. تغيَّرت الوجوه، وتبدَّلت الطباع، وتقدَّم المال أحياناً على المعنى، والمصلحة على العلاقة، والسرعة على التأمل. رحل كثيرون، وغاب آخرون، وبقيت الذكريات معلقة في الأزقة القديمة، وفي البيوت التي أُزيلت، وفي أسماء الأحياء التي لم تعد كما كانت. لم تتغير الدمام وحدها، بل تغيَّرنا معها. فالمدينة مرآة ساكنيها، وإذا قست ملامحها فذلك لأن شيئاً ما قسا فينا.

الدمام ليست مجرد مدينة، بل هي ذاكرة جمال وإنسان. جمال المكان حين كان بسيطاً، وإنسان الناس حين كانوا أقرب. هي سؤال مفتوح: هل نملك الشجاعة لنحفظ روح المدن ونحن نطوِّرها؟ أم أننا سنكتفي بتحديث الحجر ونترك الذاكرة تتآكل؟

المدن التي تفقد ذاكرتها تفقد إنسانيتها، والدمام – رغم كل التحولات – لا تزال قادرة على أن تتذكَّر، إذا أردنا لها ذلك. فالمكان لا يشيخ ما دام في الناس حنين… وما دام في الذاكرة حياة!

عيسى المزمومي

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *