حين تتقاطع الأصوات: ابن الفارض وعائشة الباعونية

ليس كل خطأ في تداول الشعر وليد الجهل، فبعض الأخطاء تولد من الإعجاب نفسه؛ حين يُغري التشابه القارئ بضمّ نصّين متجاورين في الذائقة، فيتحول التقارب الفني إلى اندماج قسري، وتُمحى الحدود بين الأصوات، ويُنسَب القول إلى غير قائله من حيث لا يُقصد. من هذا الباب تحديداْ نشأ واحد من أكثر الأوهام شيوعاْ في تداول الشعر الصوفي، حين جُمعت قصيدتان مختلفتان في نص واحد، ونُسبتا معاْ إلى اسم واحد، مع أن التحقيق الدقيق يقول غير ذلك تماماْ.

قصيدة «سائقَ الأظعانِ يطوي البيدَ طيّ» منسوبة توثيقاْ إلى شرف الدين ابن الفارض، أحد أعلام الشعر الصوفي في القرن السابع الهجري، وقد وردت في ديوانه المحقَّق، وتناولها الشراح ضمن تجربته العرفانية المعروفة. والمفارقة أن هذه القصيدة كثيراْ ما تُقرأ قراءة سطحية، بوصفها وصفاْ صحراوياْ أو غزلاْ مكانياْ، بينما هي في حقيقتها نص رمزي صوفي، تُستعمل فيه مفردات الترحال والظعن والبيد باعتبارها إشارات إلى السير الروحي، ومجاهدة النفس، والارتحال إلى المحبوب المطلق. فالسائق ليس مجرد قائد للإبل، بل رمز للهداية، والظعن أرواح سالكة، والبيد مفاوز الطريق إلى الحقيقة. وهذا النمط الرمزي ليس استثناءً في شعر ابن الفارض، بل هو سمة أصيلة تتكرر في قصائده الكبرى، حيث يتحول المكان إلى معنى، والحركة إلى حال، والرحلة إلى تجربة وجودية.

أما قصيدة «سعدُ إن جئتَ ثنياتِ اللِّوى»، فهي من شعر عائشة الباعونية، الشاعرة والفقيهة والمتصوفة الدمشقية في القرن التاسع الهجري، وهي ثابتة النسبة في ديوانها المحقَّق، ولا خلاف علمي معتبر حول قائلتها. ويعود جزء من الالتباس إلى ابتداء القصيدة بنداء «سعد»، فتوهم بعض المتلقين أنه اسم الشاعر لا اسم المنادى، كما ساهم التشابه الإيقاعي واللغوي بينها وبين قصيدة ابن الفارض في تعزيز هذا الخلط. غير أن قراءة القصيدة في سياقها الصحيح تكشف أنها ليست امتداداْ لنص سابق ولا جزءاْ منه، بل مجاراة شعرية واعية، أو معارضة فنية مقصودة، وهو فن معروف في التراث العربي، يقوم على محاورة النص السابق، ومجاراته أسلوبياْ، مع الحفاظ على استقلال التجربة والقول.

عائشة الباعونية لم تكن ناقلة ولا مقلدة، بل شاعرة واعية بتقاليد الشعر الصوفي، قارئة دقيقة لابن الفارض وأمثاله، فجاورت لغته، واستثمرت أفقه الرمزي، ثم أعادت توجيه الخطاب بما ينسجم مع تجربتها الروحية الخاصة، من غير ذوبان ولا تكرار. وهذا الفهم يغيب حين تُدمج القصيدتان في نص واحد، فيُفقد كل منهما خصوصيته، ويُشوَّه السياق الذي قيل فيه.

اللافت أن هذا الخلط لم يكن معروفاْ في كتب التراث ولا في الدواوين المحققة، بل هو ظاهرة حديثة ارتبطت بالتداول غير المنضبط، حيث تُنقل النصوص مبتورة، أو تُجمع بدافع التشابه، دون مراجعة المصادر الأصلية. ومع كثرة التكرار، يتحول الخطأ إلى ما يشبه الحقيقة الشائعة، ويتراجع صوت التحقيق أمام سطوة التداول.

إن الفصل بين هذين النصين ليس ترفاْ نقدياْ ولا تمريناْ أكاديمياْ، بل ضرورة لفهم التجربة الصوفية في سياقها الصحيح، وإنصاف كل شاعر في لغته ومقصده، والحفاظ على فن المجاراة بوصفه أحد مظاهر الحيوية في الشعر العربي، لا ذريعة لطمس الحدود بين الأعمال. فكل نص يحمل بصمة قائله، ودمج النصوص يطمس هذه البصمة، ويُربك القارئ، ويُسيء إلى التراث بدل أن يخدمه.

ومع ما تقدّم، فإن ما ورد في هذا المقال يندرج في إطار اجتهاد مبنيّ على قراءة نصّية ومراجعة للدواوين المحقّقة والمصادر المتاحة، لا ادّعاء للحسم النهائي ولا مصادرة للرأي الآخر. فالنصوص التراثية بطبيعتها مجال مفتوح للمقارنة والمناقشة، وتظل قابلة لإعادة النظر كلما ظهرت قراءة أعمق أو شاهد أوثق. وما هذه السطور إلا محاولة لضبط اللبس الشائع، وفتح باب النقاش العلمي الهادئ حول النسبة والمقصد، بما يخدم فهم الشعر الصوفي ويحفظ له دقته وسياقه، بعيداْ عن القطع الجازم أو اليقين المتعجّل.

محمد عمر حسين المرحبي

M_almrhabi@

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *