عقل الطفولة

عن محمود بن الربيع – رضي الله عنه – قال:
«عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي، وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ، مِنْ دَلْوٍ»، رواه البخاري (77) ورواه مسلم (33) باختلاف يسير.

وَقَفَات وَتَأَمُّلَاتٌ

يَا لَهَا مِنْ لَحْظَةٍ عَالِقَةٍ فِي ذَاكِرَةِ الطُّفُولَةِ! مَا أَطْيَبَهَا وَأَقْرَبَهَا إِلَى الْقَلْبِ عِنْدَمَا عَقَلَ تِلْكَ الْمُدَاعَبَةَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَمَا أَصْدَقَ حُبَّ الصَّحَابَةِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ صَغِيرِهِمْ وَكَبِيرِهِمْ، حُبًّا صَافِيًا خَالِصًا مِنْ كُلِّ شَائِبَةٍ.

التَّبَرُّكُ بِآثَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَيَاتِهِ وَبَرَكَتِهِ عَلَى أُمَّتِهِ، الْحِسِّيَّةِ وَالمَعْنَوِيَّةِ.

قُرْبُ الصَّحَابَةِ مِنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

تَوَاضُعُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَوَازُ المُدَاعَبَةِ وَالمِزَاحِ اللَّطِيفِ.

مَا أَجْمَلَ أَنْ يَحْتَفِظَ قَلْبُ الطِّفْلِ بِذِكْرَى مُدَاعَبَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الَّتِي تَغْرِسُ فِي وِجْدَانِهِ حُبًّا وَاتِّبَاعًا يَدُومُ.

وَمَنْ وُفِّقَ لِيَعْقِلَ المَجَّةَ، فَلَا عَجَبَ أَنْ يَعْقِلَ مَا بَعْدَهَا مِنَ الْخَيْرِ وَالْفَضْلِ وَالْبَرَكَةِ.

حِرْصُ الصَّحَابَةِ عَلَى التَّوْحِيدِ وَبُعْدُهُمْ عَنِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، وَحِرْصُهُمْ عَلَى عَدَمِ الْعُجْبِ وَالْخُيَلَاءِ.

بَرَكَةُ اصْطِحَابِ الْأَطْفَالِ إِلَى مَجَالِسِ الْخَيْرِ وَحِلَقِ الْعِلْمِ.

الأَثَرُ الجَمِيلُ ذِكْرَى خَالِدَةٌ تُنِيرُ طَرِيقَ السَّالِكِينَ وَتُعَبِّدُ دَرْبَ القَاصِدِينَ، تَعْبَقُ مِنْ حَوْلِهَا رِيَاحِينُ الحُبِّ وَزُهُورُ اللُّطْفِ، تُحْيِي القُلُوبَ وَتُسْعِدُ الأَرْوَاحَ وَتُسَابِقُ الزَّمَنَ.

هَلْ كَانَ يَدُورُ بِخَلْدِ هَذَا الطِّفْلِ بَقَاءُ هَذِهِ المَجَّةِ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَفِي نَفْسِي أَنَّكَ أَيُّهَا القَارِئُ تُرِيدُ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى وَجْهِ ابْنِ الرَّبِيعِ، وَكَأَنَّ اسْمَهُ زَمَنُ الخَصْبِ وَعُمْرُ الرَّخَاءِ، وَتِلْكَ المَجَّةُ وَابِلٌ صَيِّبٌ أَنْبَتَ الحُبَّ وَأَزْهَرَ القُدْوَةَ وَالسِّيرَةَ الحَسَنَةَ وَالذِّكْرَ الحَمِيدَ.

إِنَّ الإِنْسَانَ كُتْلَةُ مَشَاعِرَ تَحْتَاجُ مَنْ يُحَرِّكُهَا وَيُحْسِنُ تَرْتِيبَهَا وَاسْتِخْدَامَ نَفْعِهَا فِي سَعَادَةِ الكَوْنِ.

وَفِي الْخِتَامِ:

اصْنَعْ فِيمَنْ حَوْلَكَ أَثَرًا قَدْ لَا يُكَلِّفُكَ شَيْئًا، لَكِنَّهُمْ إِنْ حَمَلُوهُ حَلَّقَ بِهِمْ فِي سَمَاءِ النَّقَاءِ وَالطُّهْرِ.

محمد بن أحمد بن سالم الشلاع

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *