ليست وحدة الصف العربي شعارًا يُرفع في مواسم الأزمات، ولا بيانًا يُتلى عند انعقاد القمم، بل هي سؤال وجودي متجدد: كيف يمكن لأمة مثقلة بالجراح، متشظية بالسياسة، أن تستعيد معناها الجمعي دون أن تفقد خصوصياتها الوطنية؟ في هذا السياق المركب، يبرز دور سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان _حفظه الله. بوصفه فاعلًا سياسيًا يتجاوز منطق ردّ الفعل، ويعمل على مفهوم أعمق للوحدة؛ وحدة تقوم على المصالح المتوازنة، واحترام السيادة، وإعادة تعريف التضامن بوصفه فعل مسؤولية لا مجرد مجاملة دبلوماسية!
إن القراءة المتأنية لمسار السياسة السعودية في السنوات الأخيرة تكشف عن تحوّل نوعي في مقاربة القضايا العربية. لم تعد الوحدة تُختزل في الخطاب العاطفي، بل أُعيد بناؤها على أساس الواقعية السياسية، والبحث عن الاستقرار، وربط الأمن بالتنمية، والإنسان بالدولة. هذه المقاربة تجلّت بوضوح في قمة جدة 2023 م ، التي ترأسها سمو ولي العهد نيابة عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، حيث لم تكن القمة مجرد اجتماع بروتوكولي، بل منصة لإعادة ترتيب الأولويات العربية في عالم مضطرب.
في جدة، بدا المشهد العربي مختلفًا؛ لغة أقل توترًا، ونبرة أكثر عقلانية، وإرادة واضحة لإغلاق أبواب الصدام المفتوح، وفتح مسارات الحوار الممكن. وقد أكد سمو ولي العهد في كلمته أن الدول العربية ماضية نحو السلام والبناء والتعاون، بما يحقق مصالح شعوبها، ويصون حقوق الأمة، ويُعيد للعقل السياسي العربي توازنه المفقود. ولم يكن التركيز على القضية الفلسطينية، ودعم حل الدولتين، والتعامل مع أزمات السودان وليبيا واليمن وسوريا ولبنان سوى تعبير عن رؤية تعتبر أن القضايا العربية مترابطة، وأن تفكك أي دولة هو شرخ في الجدار الجماعي للأمن العربي.
ولعل من أكثر المشاهد دلالة في تلك القمة، حضور الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وتلقي رسالة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في لحظة عالمية محتدمة. هنا لم تبحث المملكة عن اصطفاف، بل عن موقف عربي متزن، يحفظ استقلال القرار، ويؤكد أن العالم العربي ليس ساحة صراع بالوكالة، بل طرف قادر على صياغة موقعه الأخلاقي والسياسي في النظام الدولي!
أما موقف المملكة من الحرب في السودان، فيعكس بوضوح فلسفة السعودية في التعاطي مع النزاعات العربية: رفض أي خطوات غير شرعية تُتخذ خارج إطار المؤسسات الرسمية للدولة، ورفض منطق الحكومات الموازية الذي يفتح أبواب الانقسام والفوضى. لقد أكدت المملكة، عبر وزارة خارجيتها، دعمها الثابت لوحدة السودان وأمنه واستقراره، ودعت الأطراف السودانية إلى تغليب المصلحة الوطنية على المصالح الفئوية، والعمل على وقف الحرب، بما ينسجم مع إعلان جدة، بوصفه مسارًا سياسيًا وأخلاقيًا لإنهاء النزاع، لا إدارته.
وفي اليمن، يتجاوز الدور السعودي حدود السياسة التقليدية. فاليمن، في الوعي السعودي، ليس ملفًا عابرًا ولا ساحة نفوذ، بل اختبار أخلاقي ومسؤولية تاريخية وواجب جوار. ومنذ اللحظة الأولى، انطلق التحرك السعودي من مبدأ جوهري: حماية فكرة الدولة، وتثبيت الشرعية، لأن انهيار اليمن لا يعني سقوط دولة فحسب، بل تفكك المجتمع، وتحول الجغرافيا إلى منصة تهديد دائم للإقليم بأسره.
لكن الفارق الجوهري في المقاربة السعودية يتمثل في إدراك أن السياسة لا تنجح ما لم تُترجم إلى حياة يومية مستقرة للإنسان. فالمواطن اليمني لا ينتظر خطابًا، بل كهرباء وماء ودواء ومدرسة وراتبًا وأمانًا. ومن هنا، لم تتعامل المملكة مع الأزمة بوصفها قدرًا مزمنًا، بل كمشكلة قابلة للحل عبر التنمية، وإعادة تشغيل مؤسسات الحياة، وربط الإغاثة بالاستدامة.
وقد تجسد هذا النهج في البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، الذي نفذ 268 مشروعًا ومبادرة في قطاعات حيوية شملت التعليم والصحة والمياه والطاقة والنقل والزراعة، وبناء قدرات الحكومة، في محافظات يمنية متعددة. كما دشنت المملكة مؤخرًا حزمة جديدة من 28 مشروعًا ومبادرة بقيمة تتجاوز 1.9 مليار ريال سعودي، في رسالة واضحة مفادها أن الدعم ليس موسميًا، وأن التنمية ليست ترفًا، بل شرطًا للسلام.
إن ما يميز دور سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في تعزيز وحدة الصف العربي، أنه لا يتعامل مع الوحدة بوصفها حنينًا للماضي، بل مشروعًا للمستقبل. وحدة لا تلغي الاختلاف، لكنها تُدير التباين بعقل الدولة، وتُقدّم الإنسان على الشعارات، والاستقرار على الفوضى، والبناء على الهدم.
في عالم عربي أنهكته الصراعات، يبدو هذا النهج أقرب إلى فلسفة سياسية جديدة: وحدة تُبنى بالفعل، لا بالخطابة، وتُقاس بما تُنقذه من أوطان، لا بما ترفعه من شعارات!
عيسى المزمومي
مقالات سابقة للكاتب