زرتُ قبل مدةٍ عالمًا جليلا، كان مجلسًا عذبًا كأنما تنحلُّ فيه الروح من عِقالها، من تلك المجالس التي تبرحها وقد تركت غرسًا يثمر في داخلك، وكلَّما أجدبت روحك استعدت سُحنة الشيخ الجليل وتمتماته اليسيرة فأثمرت عِبْرةً وإيمانًا، كانت جملةُ الكلمات التي ألقاها الشيخ في المجلس لا تزيد بمجموعها على نصف صفحة، لكنها كانت تنساب في الروح انسيابَ الماء الرقراق.
وحده الصدق يخترق المناطق الخرسانية للتأثير، فله أشعة كثيفة تتسلل إلى القلوب، وتأسرها في خيطٍ من حَرير، وفي معايير التأثير تمتماتُ الصادقين أبلغُ من معلَّقات البطالين، وهمهمات العاملين تربو على تزويقات المفذلكين، فشتانَ شتانَ بين شواهد الأحوال وشوارد الأقوال.
عالمٌ ثانٍ يتحامل على نفسه المنهكة وجسده المرهق، ويلقي درسًا علميًّا في مسائل العلم وأحكام الفقه، كان صوته المبحوح وأنفاسه المتعبة شاهدَ حالٍ بليغٍ على الهمِّ الحقيقي الذي عاش لأجلِه، وأفنى فيه ريعان الصبا وزهرة الشباب وميعة الكهولة، واحتمل في سبيل تمامِهِ شتى العوارض والعوائق، هذه شاهد حال صادقة، تفنى الكلمات المتراكمة فوق الكلمات، وتبقى هذه الحال مما ينفع الناس ويمكث في الأرض.
عالمٌ آخر كانت الأورام تفري جَسَدَه الناحل، لكنه ظلَّ حريصًا على النفع والبذل إلى آخر نفَسٍ يتردَّد، ومع تخلُّلِ حالات الإغماء المتعدِّدة كان يلقي درسَه العلمي قاعِدًا وعلى جنب، وظلَّ على حالٍ مقارِبة من النفع إلى أن فاضت روحه إلى باريها، وهكذا فشواهد الأحوال مفصِحَةٌ عمَّا في القلوب، لا تعرف الزخرفة والبهرج والتزيين.
هذه ليست أخبارًا محضة تروى ثم تطوى، هذه ينابيع صافية تحيا بها أمةٌ من الناس يسقون، هذه الأحوال الصادقة تقوم مقام الزيت للمصابيح المنطفئة، والروح للأجساد الميتة، والضوء الساطع لمن تاهت بهم الدروب الجانبية، ونأت بهم عن محاريب العلم والعمل والإيمان.
كان بعض الأوائل يقولون: نظرة عندنا من فلان تَعدِل عبادة كذا وكذا! وكان الإمام أحمد بن حنبل -فيما روي- متكأً مرةً لعلَّةٍ، فذُكِر عنده أحد الصالحين وهو إبراهيم بن طهمان فاستوى أحمدُ جالسًا ثم قال: لا ينبغي أن يذكر الصالحون فنتكئ!
ربما لا يستبين لك وجه بعض هذه العبارات، لكن لا ينبغي أن تستريب في ضرورةِ القدوات العمليَّة، وفي معرفة أن شواهد الأحوال أبلغ أثرًا، وأقوى نفاذًا، وأسرعَ تبديدًا للأوهام، وتجليةً للطريق.
كان العلامة ابن حزمٍ ينقل عن بعض أصحابه مصطلحًا لطيفًا يسميه (شاهد الحال)، وهو ما يقطع الإنسان بباطن حالِ غيره من خلال تعاضد ظواهر أحواله، ومن خلال تحمله للأذى فيه، وعدمِ اكتراثه بما يلقى في سبيله، وذَكَرَ عدة نماذج تطبيقية لذلك المفهوم، فمن ذلك حالُ عمر بن عبد العزيز وسعيد بن المسيب والحسن البصري رحمهم الله، ثم قال: (فهؤلاء مقطوع على إسلامهم عند الله، وعلى خيرهم وفضلهم)، وذكر من جملة ذلك حالَ أحمدَ بن حنبل في العمل بالحديث وفي القول بأن القرآن منزل غير مخلوق، فذكر أنه كان (يدين الله تعالى بالتدين بالحديث في باطن أمره بلا شك، وبأن القرآن غير مخلوق بلا شك، وهكذا كلُّ من تناصرت أحواله وظهر جِدُّه في معتقد، وتَرَكَ المسامحة فيه، واحتمل الأذى والمضض من أجله، وهذا قول صحيح لا شك فيه إذ لا يمكن البتة في بنية الطبائع أن يحتمل أحد أذى ومشقة لغير فائدة يتعجلها أو يتأجَّلُها).
كثيرًا ما يُظهر الله بعضَ ما أخفاه الصادقون، ومن لطفه سبحانه ألا يظهر عملهم الصالح فحسب، وإنما يظهر فوق ذلك حرصهم الصادق على خفاء أحوالهم، ومجاهدتهم المستمرَّة في طيِّها، فتظهر كمائن الإخلاص، وتنطق شواهد الأحوال بالخفايا من السرائر والأعمال.
وهكذا سائر شواهد الأحوال، وهي التي تظهر في صورةِ الصبر الطويل والعمل المتصل، وعدم الاستيحاش من الوحدة والتفرد عند قيام المقتضي ولو في بعض الطريق، واحتمال الأذى والمضض حيال العوارض، لهي أصدق من شوارد الأقوال، وأبقى حياةً في نفوس الأجيال!
صبيحة الأربعاء ٩ / ٨/ ١٤٤٧ هـ.
مقالات سابقة للكاتب