في عالم يختلط فيه الصدق بالخيال ، وتُلبس الأقنعة على القلوب يعيش كثيرون بلا وضوح وكثيرون بلا أمان فكيف تختفي الشفافية ويصبح الوضوح عبئًا على النفس بينما هو الطريق الأقصر للسلام الداخلي والمصير المستقيم.
الوضوح والشفافية مطلب إنساني وأخلاقي بل ضرورة لا تقوم العلاقات السليمة إلا بها ومع ذلك نفتقدهما إلى حد كبير ، حيث نعيش في عالم يتقن فيه الناس فن التلوّن والتصُنّع ، فيقولون بألسنتهم ما لا يسكن قلوبهم ويجيدون الالتفاف حول الحقيقة كأن الصدق عبء لا يُحتمل أو خسارة لا تُغتفر.
الوضوح ليس فضيلة سهلة بل خيار شاق لأنه يضع الإنسان في مواجهة مباشرة مع نفسه قبل الآخرين.
الشخص الصادق لا يملك رفاهية الأقنعة ولا مهارة المراوغة لذلك يدفع ثمن صدقه مبكرًا بينما يشتري غيره سلامة مؤقتة بالكتمان والغموض. من هنا يبدو الوضوح خاسرًا في ميزان المصالح ومكلفًا في عالم تحكمه الحسابات لا القيم.
أي علاقة يكتنفها الغموض تشبه حديقة تُترك بلا عناية لا تبقى فارغة بل تنمو فيها الأعشاب الضارة وتتراكم فيها الشكوك حتى يفسد جمالها من حيث لا يشعر أصحابها.
الغموض لا يبقى ساكنًا بل يتضخم مع الزمن ككرة جليد حتى يغطي صاحبه بالألم والخذلان لذلك كان التحذير الإلهي صريحًا من خلط الحق بالباطل قال تعالى ﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل﴾.
كثير من الناس لا يهربون من الوضوح لأنهم سيئو النية بل لأنهم خائفون الخوف من المواجهة ، من الخسارة ، من انكسار الصورة التي صنعوها عن أنفسهم لكن هذا الخوف هو ما يصنع العلاقات الهشة ويحوّل الصمت إلى كتمان والكتمان إلى خيانة مؤجلة وقد عبّر المتنبي عن هذه الحقيقة حين قال:
وإذا لم يكن من الموت بد
فمن العجز أن تموت جبانًا
فالخسارة ليست في المواجهة بل في الهروب منها وليست في الوضوح بل في حياة تُعاش بالأقنعة ويكتنفه الغموض.
الوضوح المبكر وفي وقته المناسب يملك قدرة عجيبة على احتواء المشكلات وهي في مهدها، كلمة صادقة في وقتها قد تنقذ علاقة كاملة بينما الغموض قد يقتلها ببطء لذلك كان البيان نعمة إلهية قال تعالى: ﴿علمه البيان﴾ فالبيان يختصر الغموض ويكسر الخوف.
ليس هناك أجمل من علاقة تقوم على الوضوح في الأسرة أو الصداقة أو العمل الوضوح لا يعني القسوة ولا الصراحة الجارحة بل يعني احترام الآخر إلى درجة عدم خداعه واحترام الذات إلى درجة عدم خيانتها هو عدل في القول واستقامة في المسار، وكما هو معلوم أن أقرب مسافة بين نقطتين هي الخط المستقيم.
هي قاعدة بسيطة لكنها تختصر فلسفة كاملة في الحياة ،الالتفاف يطيل الطريق ويستنزف الجهد ويُرهق الروح بينما الاستقامة تختصر المسافات حتى وإن بدت مؤلمة في بدايتها.
ولذلك لم يكن الصدق في المنظور النبوي قيمة عابرة بل طريق يقود إلى المصير قال رسول الله ﷺ {عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يُكتب عند الله صديقًا}.
فالوضوح الذي يراه الناس خاسرًا يراه الوحي طريقًا إلى البر ثم إلى الجنة ويكفي هذا ربحًا ولو خسر صاحبه كل حسابات الدنيا وهنا تحسم الآية الموقف كله ، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ لم يقل كونوا صادقين فقط بل قال كونوا مع الصادقين أي اختاروا هذا الطريق واصبروا على غربته حتى لو خذلكم المتلوّنون وحتى لو بدا الوضوح خاسرًا في أعين الناس.
فالوضوح قد يخسرك كثيرين لكنه لا يخسرك نفسك ولا يخسرك الله وذلك هو الوضوح الخاسر الخاسر في سوق الأقنعة الرابح في ميزان الحق والأقرب إلى السلام الداخلي.
✍️ نوار بن دهري
NawarDehri@gmail.com
مقالات سابقة للكاتب