في زمنٍ صار الإنسان فيه خبيرًا بجل ما يملكه… إلا نفسه، يتكرر مشهد لافت: تسأل أحدهم عن هاتفه، فيمنحك إجابة مرتّبة، احترافية، كأنه يقرأ من كتيّب الشركة المصنّعة.
يعرف مواصفاته، قدراته، نقاط قوته، وحتى عيوبه. ثم تسأله السؤال الأعمق: من أنت؟ فيتلعثم. يتبعثر كلامه. كأنك نقلت الحوار فجأة من مساحة مألوفة إلى أرض لم تطأها قدمه.
هنا تتجلى المفارقة التي لامسها القرآن بوضوحٍ قاطع: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ ليس نداءً وعظيًا، بل سؤال مواجهة. كأن المعنى يقول: قبل أن تُنهك بصرك في الخارج، هل امتلكت شجاعة النظر إلى الداخل؟ ليست المشكلة نقص ذكاء، بل غياب لقاء.
كثيرون لم يجلسوا مع أنفسهم كما يجلسون مع أجهزتهم.لم يفتحوا إعدادات الروح، ولم يراجعوا خرائط القيم، ولم يسألوا السؤال الحاسم: ما الذي أُجيده حقًا؟ وما الذي أُجيد الهروب منه؟ نعتني بالأشياء بدقة، ونترك أنفسنا بلا صيانة. نحدّث أجهزتنا باستمرار، ونعيش بنفوس تعمل بإصدار قديم، مثقل بالأعطال، ثم نتعجب من التعب والتيه. الإنسان الذي يعرف هاتفه ولا يعرف نفسه، يشبه من يقود مركبة فاخرة دون أن يعرف وجهته. الطريق لامع، لكن البوصلة مفقودة.
﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ الإبصار هنا ليس رؤية، بل وعي. ليس جلدًا للذات، بل صدقًا معها. أن تُبصر نفسك يعني أن تعترف بنقطة ضعفك قبل أن تتحول إلى نمط، وأن ترى قوتك قبل أن تموت مهملة تحت ركام الانشغال. الهروب من النفس لا يكون بالسكوت فقط، بل بالضجيج، بالانشغال المفرط، وبالمقارنة المستمرة، حتى لا نسمع السؤال الذي لا يُجامل: هل تعيش حقيقتك… أم تؤدي دورًا اعتدت عليه؟ معرفة النفس ليست ترفًا فكريًا، بل أساس كل قرار ناضج، وكل علاقة متزنة. من لا يعرف نقاط قوته سيبحث عن قيمته في المكان الخطأ. ومن لا يعترف بنقاط ضعفه سيكرر أخطاءه وهو يحمّل العالم المسؤولية. من يُبصر نفسه لا يحتاج أن يشرحها كثيرًا. حضوره يكشفه، واختياراته تفضحه أو تنصفه. أما من لم يُبصرها، فسيظل يغيّر الأدوات، ظانًا أن الخلل خارجي، بينما العطب الحقيقي في الداخل.
﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ ليست خاتمة، بل امتحانًا مفتوحًا. فإما بصيرة تُنقذك، أو غفلة تجعلك خبيرًا بكل شيء… إلا بنفسك. وربما لا تحتاج خطة معقّدة لتبصر نفسك، بل لحظة صدق، سؤال تكتبه ولا تهرب منه، وجرأة أن تعترف بما رأيت .
حسن القحطاني
مقالات سابقة للكاتب