عند كل الأمم قاطبة و الحضارات بمُخْتَلَفِ منابعها هناك نوابغ أدبية و أيقونات لتلك الأعراق يُشار إليها بالبنان فالانجليز وبلا ريب أن ايقونتهم وشغلهم الشاغل هو وليم شكسبير وبشكل عام اللغات الرومانسية و الجرمانية لا تُنطَق اليوم كما تُكتب وللاستزادة انصح بزيارة قناة اليوتيوب langfocus لعالم اللغويات الكندي paul، و هكذا دواليك كل لغة حيّة اليوم لها ثلاث او اربع وجوه وابطال في كل محفل ولا غرو فاللغة الأنجليزية بها ربع مليون كلمة فقط وجُلّها غير مستخدم قرأت في احد المواقع ان الأمريكي والنيوزلندي و الأسترالي يستخدمون ٢٠ الف كلمة كحد أعلى من لغتهم لتسيير مصالحهم اليومية اما الألمانية فقد اِطَّلَعتُ على المركز الألماني للإعلام وهو تابع لوزارة الخارجية وكتبوا بالحرف ( انه من الصعب تحديد عدد كلمات اللغة الألمانية ولكنهم توصلوا إلى خمسة ملايين و ثلاث مائة ألف كلمة أكثرها غير مستخدم) ولدى مخزونهم اللغوي ثلاث وعشرون مليون كلمه من أصول فرنسية وهندو أوروبية وهو نسب اللغة الألمانية وبعض الكلمات من لغات أخرى فهي ليست اصيلة النسب حتى الخمسة ملايين كلمة ليست كلها مستخدمة هذا هو أكثر من الكلمات الموجودة في بعض اللغات والألسن الحية اليوم وأكثرها عباراتً في الشرق البعيد الكورية التي يزعم اخصائيين اللغويات ان بها مليون و مائتين الف كلمة فقد كان الكوريين و الصينيين و اليابانيين بمعزل عن العالم لقرون طويلة لولا الحملات الاوروبية في الشرق الأقصى لظلَّ العِرق الأصفر حبيس الجغرافيا لقرونٍ أُخَر؛ باستثناء لغة القرآن (العربية) فلا طَرَفٌ لها تمسكها منه واي تَرَفٍ هذا اختاره الله لكلامه وللثقلين بشتَّى الوانهم و اعراقهم ودعوني استرسل وارد على من يزعم ان هناك قرارً نهائياً لوطَرِ لغة (الحاء) كما يسميها المرحوم عباس محمود العقاد وهي لغة الحاء والضاد والظاء؛ في كلمة مصوَّرة للشيخ صالح المغامسي حفظه الله و مَتَّعنا بعلمه ورقائِقه أثلج صدري برفضه للقاطعين بأن أمدح بيت قالته العرب بيت جرير لأمير المؤمنين عبدالملك بن مروان :
الستُم خير من ركب المطايا
واندى العالمين بطون راحِ
و الشطر الأول من البيت يعني انكم خير من ركب كل مطيَّة من الخيل و الجمال و الحمير ; اما الشطر الثاني يقصد بأن بطون اياديكم سخيّة وانكم اسخى الثقلين واجودهم بالعطايا وقد نقم البعض على جرير بأن هذا بيتٌ لا يصلح إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم… وعندي أظن أن جرير قَصَدَ عبد بنو مناف جميعا بنو هاشم وبنو امية ونوفل بن عبد مناف و المُطَّلِب، على أيةِ حال قد نطق العلاّمة المغامسي بما يجوشُ في حشاي حفظه الله بأن من يزعم هذا القول فقد وقع في شطط، فَسَرحتُ بالفكر و جَرَّةُ المَتَّه الارجنتينية في يدي بأي حق يزعمون هذا فقد حددوا غرضاً مطاطيّاً من أغراض اللغة وخَتَّموا المديح وانهوها ببيت جرير قبل أكثر من ألف عام ونيِّف و الحق ان العربية ولاّدة الشعراء و المعاني وقد تَخَطَّى جرير و تعدّاه الكثير من الشعراء بالمدح (عن سَبكْ الكَلِمْ والمعنى اتحدث هاهنا) فالمدح هو غرض وبضاعة اي شاعر يرغب بِعَطَيّةٍ جزلى من كريمِ قوم ان يتزَلَّفَ إليه بالمدح و الأبيات المحبوكة التي تخَطَّت هذا البيت عندي لا تُعَد ولا تُحصى خذ مثلاً :
بيت أمير الشعراء لنبينا صلى الله عليه وسلم.
وَقيلَ كُلُّ نَبِيٍّ عِندَ رُتبَتِهِ * وَيا مُحَمَّدُ هَذا العَرشُ فَاِستَلِمِ
وبيت دعبل الخزاعي الذي يمدح آل بيت النبوة :
إذا افتخروا يوماً أتوا بمحمدٍ ** وَجبريلَ وَالقرآنَ وَالسوراتِ
ومدحه لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه في تائيَّتهِ نفسها :
أخا خاتم الرسل المُصَفَّى من القذى
و مفتَرِسِ الأبطال في الغمراتِ
وبيت المتنبي يمدح فيه عضد الدولة :
وَلَولا كَونُكُم في الناسِ كانوا *
هُراءً كَالكَلامِ بِلا مَعاني
وقوله لسيف الدولة :
عَيْبٌ عَلَيكَ تُرَى بسَيفٍ في الوَغى
مَا يَصْنَعُ الصّمْصَامُ بالصّمصَامِ
وقوله لسيف الدولة :
وَقَفْتَ وَمَا فِي الْمَوْتِ شَكٌّ لِوَاقِفٍ
وَوَجْهُكَ وَضَّاحٌ وَثَغْرُكَ بَاسِمُ.
ما الذي نلمحه هاهنا وانا تعمدت الاعتماد على الشعراء برغم أنني احب النثر أشد من الشعر كخُطَب الحجاج بن يوسف الثقفي ورسائل ابن العميد حبيب المتنبي و ذهبيات قِس بن ساعده وكلام خطيب الأمَّة كما لَقَّبَهُ الذهبي ابن نباته رحمه الله لطالما جذبتني لأن النثر يكَلِّمُ العقول والشعر يخاطب المشاعر ليس دائما ولكن على الأغلب، والملامح البارزة التي تختص بها لغتنا هي انك من الصعب أن تحدد أيقونة لها فهي لغة مباركة ونحن أمة مباركة فقرآئاتنا للقرآن عشر قرآءات المعمول بها عند أهل العلم ولغتنا بها قرابة الثلاثة عشر مليون مفردة ومذاهبنا اربعه والخامس هو المذهب الظاهري الذي قَلَّ طلابه اليوم اما في البلاغة فحَدِّث ولا حرج لديك عبدالقاهر الجرجاني وابن جني و ابو بكر الباقلاني والجاحظ وغيرهم لا يتسع المجال لذكرهم فضلاً عن حصرِهِم و كذاك النحو اغنى مدرستين بصرية وكوفيه واعلامها يحتاج عددهم لمجَلَّدات لا أظن أنني بحاجة لتسميتهم والى حد ما تفَرَّدت لحينٍ من الدهر المدرسة الأندلسية وظهرت المصرية إبان الحكم المملوكي وإن كان إنتاجهما خجول ولم يبرز كالعراق فكرهت مع شيخي صالح المغامسي ان يُقطع بأن أفخر بيت كذا وامدح بيت كذا لأن هذا فيه تحديد وتحجيم وكأننا نقول وصلنا للحلقة الأخيره بينما أظن أن أفخر وامدح بيت لم تقُلها العرب بعد و الوعد قدام فلم تستنفد اللغة العربية أغراضها بعد يكفيك ان تعلم بأن كلام الله وهو القرآن الكريم لم يحويه كتاب تفسير واحد بل إن مؤلفات أهل السنة والجماعة جاوزت الثلاثين تفسيراً أحَبُّها إلى نفسي تفسير ابو بكر الجزائري رحمه الله فلغتنا قد اختارها الله وعاءً لدين الإسلام وجعل قرآنها العربي المبين ناسخ لجميع كتب الأنبياء السابقة كإنجيل عيسى عليه السلام وقد كان يتحدث الارامية وتوراة موسى التي كانت عبرانية ولا ادري يعلم الله ما هو لسان إبراهيم ولا لغة الصحف التي معه وكذلك لا أدري بأي لغة كُتِبَ زبور داوود عليهما السلام ولكن اعتقد ان القرآن العربي نسخها كلها بأيةِ حال ومحمد العربي الأمّي عليه السلام هو إمام الأنبياء و قائدهم الذي صلى بهم في المسجد الأقصى لغتنا التي شاء احكم الحاكمين ان تبقى حتى ينفخ إسرافيل عليه السلام في الصور لأنها تمتلك عناصر الديمومة في طيّاتها وحسبك ان الفاتحة اول سورة اذا فتحنا المصحف ركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة الا بنطقها فالعربية أَبَت ان يَتَمَلَّك زمامها شاعر او اثنان او عشرة او خطيب او ١٠٠ خطيب وكل علماء النحو والبلاغة مع كامل امتناني لهم لن يحتووها و مشكورٌ سعيهم لم يغلقوا باب الاجتهاد بل شَرَّعوهُ و نَعَّموهْ لكل سالك ومُمَدِّد وفي نظري ان علاَّمة البلاغيين اليوم هو الشيخ محمد ابو موسى حفظه الرحمن هو البقيَّة الباقية من ائمَّة السلف بمثله تزدهر مصر الحبيبة اتمنى من كل من يقرأ ان يبحث عن مرئياته ومؤلفاته فهو آخر عالم معاصر من اعلام المدرسة المصرية… ورسالتي الأخيرة للقارئ ان لا يستند لأخبار الرواة بل ابحث بحثاً عميقًا بنفسك، واخْتُم ما تَخُط يميني بِصَدِّ ورد زعم الذين صَدَّعوا امخاخنا بأن أفخر الأبيات هي ابيات جرير واترك الحُكمَ للقارئ يقول فيها:
إذا غَضِبت عليك بنو تميمٍ
حَسِبتَ الناسَ كُلَّهُمُ غِضابا
السنا اكثر الثقلينِ رَجلاً
ببطنِ منىً واوسعهُ قِبابا
واجدر إن تجاسر او تنادى
بدعوى يا لخندف ان يُجابا
وبنظري الشخصي ولن اقول أفخر ابيات قالتها العرب و أقع في ذات الخطأ الذي اُحَذِّرُ منه إنما أفخر ما وقعت عليه عيني لبشار بن برد وهو فارسي الأصل مولى (فانظر كيف علا ذِكرُه إلى يومنا فقط لأنه يجيد العربية)
إِذا ما غَضِبنا غَضبَةً مُضَرِيَّةً
هَتَكنا حجاب الشمس أَو اقْطَرَت دَما
إِذا ما أَعَرنا سَيِّداً مِن قَبيلَةٍ
ذُرى مِنبَرٍ صَلّى عَلَينا وَسَلَّما
وَإِنّا لَقَومٌ ما تَزالُ جِيادُنا
تُساوِرُ مَلكاً أَو تُناهِبُ مَغنَما
خَلَقنا سَماءً فَوقَنا بِنُجومِها
سُيوفاً وَنَقعاً يَقبِضُ الطَرفَ أَقنَما
وَمَحبِسِ يَومٍ جَرَّتِ الحَربُ ضَنكَهُ
دَنا ظِلُّهُ وَاِحمَرَّ حَتّى تَحَمَّما.
مطر آل عاطف
مقالات سابقة للكاتب