سحابة صيف عن قليل تقشع

تضرب العرب بهذا المثل على الأمور التي يرجى زوالها؛ أو لا تلبث قليلاً حتى تنقشع وتذهب لأواؤها؛ وكذلك هي (حرارة الصيف) ووهجه وسمومه؛ فلا تزال بنا هذه الأيام حتى يأذن الله تعالى بزوالها وانقشاعها فهي من سموم جهنم -أعاذنا الله منها- كما ثبت من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب أكل بعضي بعضاً، فأَذِن لها بنفسين نَفَس في الشتاء ونَفَس في الصيف، فأشد ما تجدون من الحر من سموم جهنم، وأشد ما تجدون من البرد من زمهرير جهنم).

فحريٌ بنا في هذه الأيام والتي يشتد فيها الهجير أن نتذكر «نار جهنم» وحرها – نعوذ بالله منها – وأن نجتنب الأسباب التي توقع وتهوي بنا في قعرها:

تَفِرُّ مِنْ الْهَجِيرِ وَتَتَقِيهِ
فَهَلاَّ مِنْ جَهَنَمَ قَدْ فَرَرْتَا

ومن تلك الأسباب المؤدية للوقوع في نار جهنم والعياذ بالله:

أولاً: الكذب والفجور: فقد ثبت من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار).

الكذبُ عَارٌ وخيرُ القولِ أصدقهُ
والْحَقُّ مَا مسَّهُ مِنْ بَاطلٍ زَهَقَا

ثانياً: أَكْلُ السحت: لما ثبت من حديث أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كلُّ جسد نبت من سحت فالنار أولى به).

فَلا تَقْرَبِ الأمْرَ الْحَرَامَ فَإنَّهُ
حَلاوَتُهُ تَفْنَى وَيَبْقَى مَرِيرُهَا

ثالثاً: قتل النفس أو الانتحار: قال تعالى {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}.
ولما ثبت من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً).

إنَّ الشَّقِيَّ الَّذِي فِي النَّارِ مَنْزِلُهُ
والْفَوْزُ فَوْزُ الَّذِي يَنْجُو مِنَ النَّارِ

رابعاً: اقتطاع حق المسلم: لحديث أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة وإن كان قضيباً من أراك).

وقد كان سلفنا الصالح رحمهم الله يحرصون على أنواع من العبادات في شدة الحر ومن ذلك:

أولاً: الصوم مع الاستطاعة :لما ثبت من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال: (لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره في اليوم الحار الشديد الحر وإن الرجل ليضع يده على رأسه من شدة الحر؛ وما في القوم أحد صائمٌ إلاَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبدالله بن رواحة).
وكان معاذ بن جبل رضي الله عنه يبكي عند موته ويقول: (إنما أبكي على ظمأ الهواجر، وقيام ليل الشتاء، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر).

ثانياً: الإبراد بالصلاة: لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم).

ثالثاً: سقيا الماء: لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أفضل الصدقة سقي الماء) .
قال الإمام ابن القيم الجوزية رحمه الله معلقاً على هذا الحديث في كتابه «الروح»(1/358): (أفضل الصدقة ما صادفت حاجة من المتصدق عليه وكانت دائمة ومستمرة؛ ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : «أفضل الصدقة سقي الماء» وهذا في موضع يقل فيه الماء ويكثر فيه العطش، وإلا فسقي الماء على الأنهار والقنى لا يكون أفضل من إطعام الطعام عند الحاجة).

وقد كان السلف الصالح رحمهم الله تعالى لا يتضجرون من فصل الصيف ولهيب حرارته؛ بل يجعلون منه فرصة لتذكير النفس وإرغامها على الطاعة.

خالد بن محمد الأنصاري

مقالات سابقة للكاتب

4 تعليق على “سحابة صيف عن قليل تقشع

هاجر

جزاك الله خير الجزاء استاذنا الفاضل على نشر العلم النافع وتوصيل المعلومة لنا في مختلف المناسبات سهل الله لك طريق الجنة 🌴هنيئاً لك هذا العطاء 🌴:… قال صلى الله عليه وسلم : ” معلم الخير يستغفر له كل شيئ حتى الحيتان في البحار ” .
روي عن رسول الله أنه قال: « زكاة العلم تعليمه من لا يعلمه » . وعن الإمام علي : « زكاة العلم بذله لمستحقه » . إن بذل العلم للناس يزكي نفس العالم ويطهرها من الأنانية والبخل ، ويؤكد لديه الشعور بالمسؤولية ، فالعلم ليس تشريفاً فقط وإنما هو مسؤولية وتكليف .
قال تعالى : { وإذ أخذ اللّه ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه …. } الآية

عبدالله الظفيري

في شدة الهجير، تذكّر نار جهنم!
قال ﷺ: “أشد ما تجدون من الحر من فيح جهنم”
فاحذر الكذب، وأكل الحرام، وظلم الناس، فإنها طرق إلى النار!
وابذل ماءً بارداً، وصُم لله صيفاً، وأبرِد عن الصلاة، فلعلّ حرّ الهواجر يشفع لك يوم الظمأ الأكبر.

‏**“تَفِرُّ مِنَ الْهَجِيرِ وَتَتَّقِيهِ، فَهَلاَّ مِنْ جَهَنَّمَ قَدْ فَرَرْتَا!”*

ABOBAKER ALANSARYI

أود أن أتقدم بجزيل الشكر لك على هذا المقال الرائع الذي جاء بعنوان “سحابة صيف عن قليل تقشع”. لقد لامس المقال نقاطًا جوهرية عكست الواقع بدقة متناهية، وأنا أتفق تمامًا مع كل ما ورد فيه من تحليلات وأفكار.
لقد نجحت ببراعة في تسليط الضوء على هذه “السحابة” التي تمر بنا، مبينًا بوضوح أنها عابرة ولن تدوم طويلاً، وهو ما يبعث على التفاؤل والأمل. إن قراءتي للمقال عززت قناعاتي بأن التحديات الراهنة هي مجرد مرحلة ستزول، وأن المستقبل يحمل لنا انفراجة قريبة.
شكرًا لك استاذنا على هذه الرؤية الثاقبة والكلمات الصادقة التي تحمل في طياتها الكثير من الحكمة والإيجابية.

البشارة

جعلك ربي من أهل جنة الفردوس خالدا فيها .
شكر الله لك كل ما جادت به قريحتك و خطته أناملك . نعم الوصايا تلكم التي نوّهتنا و نبّهتنا عليها .
دامت حروفك و كلماتك مدادا بالعلم و للأمة نفعا 🤲🏻

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *