قِصْةُ الهِجْرَةِ النَّبويةِ (١)

الحمد لله الذي جعل الهِجرةَ فتحًا ونصرًا وعزًا للإسلامِ وفخرًا للمسلمين. والصلاة والسلام على عبده ورسوله سيد المرسلين وإمام المهاجرين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

ففي هذه الأيام المباركة من شهر ربيع الأول يستذكر المسلمون الهجرة النبوية الشريفة – على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم – والتي تمثل حدثًا تاريخيًّا فارقًا فى تاريخ الإسلام، ونقلة مهمة انتقل بها المسلمون من الضعف إلى القوة، ومن الظلم والاستبداد إلى العدل والمساواة، وانطلقت بموجبها الدعوة إلى رحاب واسعة بوضع حجر الأساس لدولة الإسلام التى رسخت مبادئ الوسطية والتسامح وسيادة القانون، والإرتقاء بالمعانى الإنسانية والقيم الروحية، ووضعت الإنسان فى مقدمة الاهتمامات.

يَاقِصَّةَ الْمَجْدِ التَّلِيدِ تَحَدَّثِي 
وَارْوِي لَنَا الأَحْدَاثَ وَالأَنْبَاءَ 

قُصِّي بِرَبِّكِ عَنْ مَسِيرَةِ أُمَّةٍ 
رَفَعَتْ لَهَا فِي العَالَمِينَ لِوَاءَ 

هَذَا هُوَ التَّارِيخُ يَحْكِي مَجْدَنَا 
فَيُحَرِّكُ الأَسْمَاعَ وَالأَصْدَاءَ 

يَحْكِي عَنِ الصَّرْحِ الَّذِي قَدْ شَادَهُ 
دِينٌ فَطَالَ مَعَ الزَّمَانِ بِنَاءَ 

هَذَا رَسُولُ اللهِ قَادَ مَسِيرَةً 
بِالْحَقِّ أَعْلَى مَجْدَنَا إِعْلاَءَ 

وقبل أن نستعرض قصة الهجرة النبوية بإيجاز، نقف وقفات سريعة عابرة مع حياته – ﷺ – ماقبل الهجرة النبوية في مكة.

فقد أقام – ﷺ – في مكة قبل النبوة أربعين سنة، وأقام بها بعد النبوة ثلاث عشرة سنة، وأقام بالمدينة بعد الهجرة عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة – ﷺ .

مرت حياته – ﷺ – بثلاث مراحل أساسية، وتحت كل مرحلة من هذه المراحل أحداث وعبر:

المرحلة الأولى: ميلاده ونشأته وشبابه – ﷺ – فقد تضمنت هذه المرحلة العديد من الأحداث، وأهمها: مولده – ﷺ – فقد وُلِدَ في شعب بني هاشم بمكة، في يوم الاثنين، التاسع وقيل: الثاني عشر من ربيع الأول عام الفيل.

تُعرف أسرته بالأسرة الهاشمية نسبة إلى جده هاشم بن عبد مناف، وكان اسمه عمرو، فسمي هاشمًا لهشمه الثريد.

وهو الذي كانت له السقاية والرفادة، وهو أول من أطعم الثريد للحجاج بمكة، وأول من سن الرحلتين لقريش، رحلة الشتاء ورحلة الصيف.

عَمْرُو الَّذِي هَشَمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ
قَوْمٌ بِمَكَّةَ مُسْنِتِينَ عِجَافِ

سُنَّتْ إلَيْهِ الرِّحْلَتَانِ كِلَاهُمَا
سَفَرُ الشِّتَاءِ وَرِحْلَةُ الْأَصْيَافِ

خرج إلى الشام تاجرًا، ثم قدم المدينة فتزوج سلمى بنت عمرو أحد بني عدى النجار، فحملت بعبدالمطلب، وسمته شيبة؛ لشيبة في رأسه.

وبعد موت هاشم صارت السقاية والرفادة إلى أخيه المطلب بن عبدمناف، وكانت قريش تسميه بالفياض لسخائة.
وعندما بلغ ابن أخيه شيبة (عبدالمطلب) سبع أو ثماني سنين رحل إلى المدينة وأخذه من أمه وأتى به إلى مكة، وبعد موت المطلب تولى بعده ابن أخيه عبدالمطلب.

ومن أهم الأحداث التي وقت لعبد المطلب:
أولًا: بعد موت عمه المطلب، قام عمه نوفل بإغتصاب أملاكه، فكتب إلى أخواله من بني النجار النصرة فنصروه.
ثانيًا: حفر بئر زمزم.
ثالثًا: حادثة الفيل.
وهذه الأحداث مذكورة بطولها في كتب السيرة.

وكان لعبد المطلب عشرة من البنين، وخمس من البنات منهم عبد الله والد النبي – ﷺ – وهو أحسن أولاده وأعفهم وأحبهم إليه، وهو الذبيح.

اختار عبدالمطلب آمنة بنت وهب زوجًا لولده عبدالله، فمات عنها قيل: قبل ولادتها بالنبي – ﷺ – وقيل: بعد ولادتها بشهرين.

‏ولما ولدته أرسلت إلى جده عبد المطلب تبشره بحفيده، فجاء مستبشرًا ودخل به الكعبة، ودعا الله وشكر له، وسماه محمد وختنه يوم سابعه.

وُلدَ الحَبِيبُ فَأشْرَقَتْ شَمْسُ الهُدَى
هِـبـَةُ السَّمَاءِ لـَنـَا وَجـَــلَّ عـَـطـَــــاءُ

بَـدْرٌ أَضَـاءَ الـمَشْرِقَـيـنِ بِـنـُورِهِ
وَتَعْطَّــرَتْ لـِقُــدُومِـهِ الأَجْــوَاءُ

كانت رضاعته – ﷺ – بعد أمه بإسبوع من نصيب ثويبة مولاة أبي لهب، ثم إلى حليمة السعدية في ديار بني سعد التي عم فيها الخير والبركة في كل شيئ بسبب رضاعته – ﷺ.

والنبي – ﷺ – ليس له إخوة من النسب، فهو وحيد أمه وأبيه، ولكن له سبعة إخوة وأخواتٍ من الرضاع.
فلم يرضع معه من أمه أحد، ورضع معه من ثويبة أبو سلمة عبدالله بن عبد الأسد المخزومي، وعمه حمزة بن عبدالمطلب، وابن لها يقال له مسروح.

ورضع معه من حليمة السعدية كذلك عمه حمزة، فهو أخوه من جهتين. وابن عمه أبوسفيان بن الحارث بن عبدالمطلب.
وعبدالله وأنيسة وخِذامة”وهي الشيماء” أولاد الحارث بن عبد العزي بن رفاعة السعدي.

وفي السنة الرابعة أو الخامسة من مولده – ﷺ – وقع له حادث شق صدره وهو يلعب مع الغلمان، أرسل الله إليه ملكين فشقا صدره وأخرجا حظ الشيطان منه، وكانت هذه الحادثة سببًا لخوف مرضعته عليه وإعادته إلى أمه.

بقي – ﷺ – في رعاية أمه آمنة بنت وهب إلى أن توفيت بالأبواء بين مكة والمدينة، وهو في السادسة من عمره، فَحَضَنَتْهُ أم أيمن، وَكَفَلَهُ جده عبد المطلب الذي كان يكرمه غاية الإكرام، فتوفي جده وهو في الثامنة من عمره.

ثم انتقل إلى كفالة عمه أبي طالب، وكان فقيرًا صاحب عيال، فبارك الله له في ماله القليل، وكان يكرمه ويحرص على تربيته، وظل فوق أربعين سنة يَعِزُّ جانبه، ويحميه، ويُخاصم من أجله.

ولما بلغ – ﷺ – من العمر اثنتي عشرة سنة ارتحل به عمه أبو طالب تاجرًا إلى الشام، وعندما نزلوا مدينة بصرى على بحيرة الراهب، قال الراهب لأشياخ قريش: “هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين هذا يبعثه الله رحمة للعالمين”
وذكر لهم بعض العلامات: كسجود الشجر والحجر له عندما أشرف من العقبة، وبخاتم النبوة، أسفل غضروف كتفه مثل التفاحة.

حضر – ﷺ – حرب الفجار مع أعمامه، وعمره خمس عشرة سنة، وكان ينبل على عمومته، أي يجهز لهم النبل للرمي.

وشارك – ﷺ – في حلف الفضول.
وقال بعد أن أكرمه الله بالرسالة: (لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أُحِبُ أن لي به حُمْرُ النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت). 

وأما حياة الكدح والعمل فقد عمل – ﷺ – برعي الغنم في بني سعد، وفي مكة لأهلها على قراريط، وعمل في التجارة وسافر مع عمه إلى الشام.
وقد ورد أنه كان يتجر مع السائب بن أبي السائب المخزومي فكان خيرَ شريك له، لا يدارى ولا يمارى.

وفي الخامسة والعشرين من عمره – ﷺ – عمل في تجارة خديجة بنت خويلد – رضي الله عنها – وعندما لمست صدقه وأمانته رغبت في الزواج منه، فتزوجها وهو في الخامسة والعشرين من عمره، وهي في الأربعين.

وكل أولاده – ﷺ – منها سوى إبراهيم، وهم: القاسم – وبه كان يكنى- ثم زينب ورقية، وأم كلثوم وفاطمة وعبد الله، وجميعهم ماتوا في حياة النبي – ﷺ – سوى فاطمة – رضي الله عنها – فقد تأخرت بعده بستة أشهر، ثم لحقت به.
الأبناء ماتوا وهم صغار وأما البنات فقد أدركن الإسلام فأسلمن وهاجرن.

كانت له مكانة عظيمة بين قومه قبل البعثة؛ لما رأوا من حسن أخلاقه ورجاحة عقله، فاختاروه ليحكم بينهم عندما اختلفوا فيمن يحمل الحجر الأسود ويضعه مكانه في الكعبة لمَّا جددوا بناءها. وكان عمره آنَ ذاك خمسةً وثلاثون عامًا.

هذه مرحلة من مراحل حياة النبي – ﷺ – ماقبل الهجرة، وقفنا فيها على أهم الأحداث بإيجاز، وفي الجزء الثاني من المقال بمشيئة الله – تعالى – نستعرض المرحلة الثانية، وهي مرحلة البعثة والدعوة إلى الله.

اللّهم أَحينا على سنَّةِ نبيِّك محمد – ﷺ – ووفقنا لسيرته والسير على منهاجه، وتوفنا على ملته، وارزقنا شفاعته، وأوردنا حوضه، واكرمنا بمرافقته في الفردوس الأعلى.

والحمدلله رب العالمين، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

حسن مهدي قاسم الريمي

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *