بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على سيِّدِنا ونبيِّنا وحبيبِنا محمدٍ، رسولِ ربِّ العالمين، وعلى آلهِ وأصحابهِ أجمعين.
آفَةٌ نَفسيَّة، وعِلَّةٌ عَقلِيَّة، وخَصلَةٌ دَنِيَّة، وصِفَةٌ قادِحة؛ تَفتِكُ بالنَّفسِ والمالِ والجاهِ والوَلَد، وتُورِّثُ صاحبَها عَكسَ قَصدِهِ، وضِدَّ مُرادِه، شَعَرَ أو لم يَشعُر.
لم يُصاحبها أَحدٌ إلّا هَلَكَ، وإنْ بَقِيَ جَسدُه، ولم يُلازمْها فَردٌ إلّا حَطَّتْ قَدْرَه، وصَغَّرَت نَفْسَه، وأَوْرَثَت مَقْتَه في القُلوب.
وهي كبيرةٌ أخرجَتْ أبا مُرَّة من الجنة، ولَعَنَتْهُ دَوامَ اللَّعنة، وخَلَّدَتْه في نارِ الظُّلْمَة.
قال عنها ابنُ الجوزي:
“ومن كيده وخداعه – أي الشيطان – أنَّه يأمر الرجلَ بانقطاعه في مسجدٍ، أو رِباط، أو زاوية، أو تُرْبة، ويَحبِسُه هناك، ويَنهاه عن الخروج، ويقول له: متى خرجت تبذلتَ للناس، وسَقَطْتَ من أعينهم، وذهبت هيبتُك من قلوبهم، وربما ترى في طريقك منكراً، وللعدو في ذلك مقاصدُ خفيَّة يريدُها منه: منها الكِبْر، واحتقارُ الناس، وحِفظُ الناموس، وقيامُ الرِّياسة. ومخالطةُ الناس تُذهِب ذلك. وهو يريد أن يُزار ولا يزور، ويقصده الناسُ ولا يقصدهم، ويَفرَحُ بمجيء الأمراءِ إليه، واجتماعِ الناسِ عنده، وتقبيلِ يدِه، فيترك من الواجبات والمستحبات والقُربات ما يُقربه إلى الله، ويتعوض عنه بما يُقرب الناس إليه”.
وقد كان رسولُ الله ﷺ يخرجُ إلى السُّوق.
قال بعض الحفاظ: “وكان يَشتري حاجتَه ويَحمِلها بنفسه”.
ذكره أبو الفرج ابن الجوزي وغيره.
ولما أوجَبَتِ الهلاك، وأَعقَبَتِ البَوار، وجَلَبَتِ النَّدَم للشيطان، حَسَدَ آدم وذُريَّتَه، وأرادَ لمَنْ صدَّقَه واتَّبَعَه نفسَ المصير الذي أَوْرَدَ نفسَه فيه.
قال الأحنف بن قيس:
“ما تَكبَّر أحدٌ إلّا من ذُلَّةٍ يَجدُها في نفسه”.
وقال الأبشيهي:
“وحسبُك من رذيلةٍ تَسلُبُ الرِّياسةَ والسِّيادة، وأعظم من ذلك أن الله تعالى حَرَّمَ الجنَّةَ على المتكبرين”،
قال تعالى:
﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: 83].
فقرنَ الكِبْرَ بالفَساد.
وقال تعالى:
﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: 146].
ولم يَزِدِ المتكبرُ كِبرُه إلّا بُعداً من ربه، وبُعداً عن دِينِه، وبُعداً عن أُمته ومجتمعِه، بل وبُعداً عن نفسه.
قال النبي ﷺ:
“يُحشَرُ المتكبِّرون يومَ القيامةِ أمثالَ الذَّرِّ في صورِ الرجال، يَغشاهم الذُّلُّ من كلِّ مكان، يُساقون إلى سِجنٍ في جهنم يُسمَّى بُولَس، تَعلوهم نارُ الأنيار، يُسقون من عَصارةِ أهلِ النار طِينَةَ الخَبَال”. رواه الترمذي وصححه الألباني.
فهل يَشعُر أنَّه أرذلُ الناس، وشرُّ البَرِيَّة، وأذلُّ الخلق، وأبعدهم من الرب؟
قال النبي ﷺ:
“لا يدخل الجنةَ من كان في قلبِه مثقالُ ذرَّةٍ من كِبْر”. رواه مسلم.
المتكبِّرُ هَضَمَ نفسَه من قُرب الله، ومن قُرب رسوله ﷺ، ومن قُرب الناس والأصحاب.
وقال ﷺ:
“مَن فارق الرّوحُ جسدَه وهو بريءٌ من ثلاثٍ دخلَ الجنة: الكِبْر، والدَّيْن، والغُلُول”. رواه الترمذي.
والمتكبرُ صَغَّر نفسَه، وهَدَمَ عقلَه، وعَقَدَ نفسَه.
قال ابن الجوزي:
“والمتكبرُ أحمقُ؛ لأنَّه ما مِن شيءٍ يَتكبَّر به إلّا ولغيره أكثرُ منه”. صيد الخاطر.
والمتكبرُ حَرَمَ نفسَه العلمَ والتعليم، وإنْ حصل على شيءٍ من ذلك، فالمحصولُ غيرُ ذي جَنى.
قال النعمان بن بشير رضي الله عنه، وهو على المنبر:
“إنَّ للشيطانِ مَصائِدَ وفُخوخاً، وفُخوخُه البَطَرُ بأنعُم الله، والفُجورُ بإعطاء الله، والكِبْرُ على عبادِ الله، واتباعُ الهوى في غير ذاتِ الله”. الأدب المفرد.
وعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه أنَّه مرَّ في السوق، وعليه حُزمةٌ من حَطب، فقيل له: ما يَحمِلُك على هذا وقد أغناك الله عن هذا؟ قال: أردتُ أن أَدْفَع الكِبْر. سمعتُ رسول الله ﷺ يقول:
“لا يدخلُ الجنةَ من في قلبِه خَردَلةٌ من كِبْر”. صحيح الترغيب والترهيب.
والمتكبر لا تُرضيه نِعمة، ولا يَقتنع بعطيَّة، ولا يَفرحُ بهدية.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ:
“يقول الله سبحانه: الكبرياءُ رِدائي، والعَظمةُ إزاري، من نازعني واحداً منهما ألقَيْتُه في جهنم”.
كم أفسد الكِبْرُ حياةَ الكثير، ودمَّر قلوبَ الكثير، وقتل كلَّ جميلٍ في نفسه، ونفوسِ من حوله.
أيُّها العاقل، الكِبْر أول ذنب عُصي الله به، فراجعْ نفسَك، وهذِّبْ روحَك، وحَسِّنْ خُلُقَك، وأَكْبِحْ جِماحَ هواك، وتَذكَّرْ أَصلَك، ومَصيرَك، ونِهايَتَك.
اللَّهُمَّ اصرفْ عنَّا الكِبْرَ وأهلَه، يا كريم
محمد احمد سالم الشلاع
مقالات سابقة للكاتب