سُقُوطٌ وَهَلَاكٌ فِي سَاعَةِ ضَعْفٍ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يَحْفَظُ عِبَادَهُ، وَيَصُونُ أَوْلِيَاءَهُ، وَيَكْلَؤُهُمْ بِحِفْظِهِ وَعِنَايَتِهِ، يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ بِفَضْلِهِ، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ بِعَدْلِهِ، لَهُ الْحِكْمَةُ الْمُطْلَقَةُ الْبَالِغَةُ، وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ.

وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى خَيْرِ خَلْقِهِ، وَالْقَائِمِ بِأَمْرِهِ، وَالْمُبَلِّغِ لِشَرْعِهِ، وَالنَّاصِحِ لِأُمَّتِهِ، وَالْهَادِي لَهَا إِلَى صِرَاطِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

أَمَّا بَعْدُ:

ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ فِي أَحْدَاثِ سَنَةِ (٢٢٨هـ) هَذِهِ الْحَادِثَةَ:

كَانَ عُبْدَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ مِنَ الْمُجَاهِدِينَ الْمَعْرُوفِينَ، عَابِدًا زَاهِدًا، كَثِيرَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ. خَرَجَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِي غَزْوَةٍ لِلرُّومِ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَأْسًا فِي الْقِتَالِ، وَأَكْثَرِهِمْ عِبَادَةً وَذِكْرًا لِلَّهِ.

وَفِي أَثْنَاءِ حِصَارِ الْمُسْلِمِينَ لِحِصْنٍ مِنْ حُصُونِ الرُّومِ، رَأَى عُبْدَةُ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ الرُّومِ مِنْ فَوْقِ الْحِصْنِ، فَأُعْجِبَ بِهَا إِعْجَابًا شَدِيدًا. فَرَاسَلَهَا، فَقَالَتْ لَهُ:

“لَا سَبِيلَ إِلَيْكَ إِلَّا أَنْ تَتَنَصَّرَ وَتَصْعَدَ إِلَيَّ.”

فَفَعَلَ؛ تَنَصَّرَ، وَصَعِدَ إِلَيْهَا، فَوَقَعَ عَلَيْهَا.

فَحَزِنَ الْمُسْلِمُونَ لِذَلِكَ حُزْنًا شَدِيدًا، وَكَانُوا يَقُولُونَ:

“وَا عَجَبًا! كَانَ عُبْدَةُ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ، مَا الَّذِي جَرَى لَهُ؟!”

وَبَعْدَ مُدَّةٍ، مَرَّ بِهِ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ، فَنَظَرُوا إِلَيْهِ وَهُوَ فِي الْحِصْنِ، بَيْنَ أَوْلَادِهِ وَزَوْجَتِهِ النَّصْرَانِيَّةِ، فَقَالُوا لَهُ:

“يَا عُبْدَةُ، مَا فَعَلَ قُرْآنُكَ؟ مَا فَعَلَ صِيَامُكَ؟ مَا فَعَلَتْ صَلَاتُكَ؟ مَا فَعَلَ عِلْمُكَ؟”

فَقَالَ لَهُمْ:

“نَسِيتُهُ كُلَّهُ، مَا أَذْكُرُ مِنْهُ إِلَّا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾.”

وَمَاتَ عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.

وَقَفَاتٌ:

 • الْقُلُوبُ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ؛ فَعَلَيْنَا أَنْ نَلْزَمَ الدُّعَاءَ بِالثَّبَاتِ.

 • الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ، فَلَا تَغْتَرَّ بِالْمُقَدِّمَاتِ.

 • الشَّهَوَاتُ طَرِيقُ الْهَلَكَةِ، وَسَبِيلُ الْبَوَارِ.

 • خُطُورَةُ النَّظَرِ الْمُحَرَّمِ، وَالتَّسَاهُلِ فِيهِ.

 • تَعَاهُدُ النَّفْسِ بِالتَّرْبِيَةِ الْحَسَنَةِ، وَالصَّبْرِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَالصَّبْرِ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ.

 • إِيَّاكَ ثُمَّ إِيَّاكَ أَنْ تَرْكَنَ إِلَى عَمَلِكَ، مَهْمَا كَانَ صَالِحًا.

 • عِشْ عُمْرَكَ مُجَاهِدًا: نَفْسَكَ، وَالْهَوَى، وَالشَّيْطَانَ.

 • يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ وَالشَّابَّاتِ: غَضُّ الْبَصَرِ سَبِيلُ نَجَاةٍ، وَحِصْنُ فَوْزٍ وَمَنَعَةٍ.

 • لَا تَنْظُرْ إِلَى صِغَرِ الْمَعْصِيَةِ، وَأَنَّهَا مِنَ “اللَّمَمِ”، بَلِ انْظُرْ إِلَى عَظَمَةِ وَغَضَبِ وَانْتِقَامِ مَنْ عَصَيْتَ.

 • لَا تَرْكَنْ إِلَى التَّسْوِيفِ، فَهُوَ بِضَاعَةٌ مَزْجَاةٌ، وَالرِّبْحُ مِنْهَا فِي السَّلَامَةِ مِنْهُ.

اللَّهُمَّ اخْتِمْ لَنَا بِخَاتِمَةِ الْحُسْنَى، يَا كَرِيمُ.

 محمد أحمد سالم الشلاع

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *