بعد رحلةٍ شاقةٍ، وإعياءٍ شديد، أناخ راحلته ليستريح من وعثاء السفر، ومدَّ بصره ليرى سرابًا بعيدًا في وهج الصحراء، لهيبًا محرقًا وأشعةً عموديةً كأنها سهام المرض في جسدٍ يئنُّ من وقع الألم في كل ناحية من جسده الهزيل، حاول أن يجد مكانًا يستظل فيه، فلم يجد سوى شجرة اخضرّت في صيفٍ لاهب، فارتحل نحوها يحثُّ الخُطى، ويستجمع القوى، أنهكه ذلك الصيف اللاهب، وسرابُ ظلٍّ يسابقه بأملٍ لا وجود له، حتى وصل إلى شجرةٍ وارفة الظلال، فوجد أناسًا كُثُر تحت ظلّها يتزاحمون لعلهم يجدون مكانًا يحميهم من هجيرٍ محرق، وصيفٍ قاتلٍ تتنافس فيه المناكب لعلها تجد مكانًا يحتويها، تحت تلك الشجرةٍ الباسقةٍ؛ لتحتويهم جميعًا، وليستمتعوا بظلَها الوارف وأوراقها الخضراء، كشجرةٍ طيبةٍ أصلُها ثابتٌ وفرعها في السماء.
فالمحافظة على البيئة، والمساهمة في الحد من التدهور البيئي يتطلب تكاتف الجهود وتكاملها في تأصيل القيم البيئية وغرسها وتحقيق المبادئ التي تعزز المشاركة الفاعلة في جميع قضايا البيئة ومشكلاتها من أجل المحافظة على مكوناتها ومواردها؛ لتنمية وترشيد استخدام تلك الموارد بما يحافظ عليها وينفع بها في الحاضر والمستقبل.
ومن هنا تبدو أهمية الإعلام البيئي في كونه وسيلة تعمل على توضيح وإبراز المفاهيم البيئية، ونشر الثقافة البيئية والمفاهيم والقيم البيئية والرقي بالوعي البيئي ومفاهيمه، وإحداث تأثيرٍ في إيجاد اتجاه إيجابي نحو البيئة من خلال رفع مستوى الوعي البيئي بواسطة تفعيل الخطاب الإعلامي البيئي بصورة إيجابية تخدم البيئة وتزيد من حيويتها. فضلًا عن أن توظيف الإعلام البيئي في وسائل الإعلام المختلفة لتوعية المجتمع وتزويدهم بكافة المعلومات من شأنه أن يسهم في المحافظة علي سلامة المحيط البيئي الذي نعيش فيه.
وعلاوةً على ذلك الدور المهم، يسعى الإعلام البيئي إلى نشر الوعي والإدراك وزيادة الفهم بقضايا البيئة، وتزويد المواطن بالمعلومات المُختلفة عن القضايا البيئية.
وكذلك تغيير الاتجاهات السلبيَّة للفرد نحو البيئة وحثهم على مُشاركتهم في قضايا البيئة ومشكلاتها، وإكسابهم المهارات المختلفة اللازمة للمشاركة في حماية البيئة وتنمية مواردها، وتحفيز الدافعيَّة لدى الفرد للمشاركة في حلِّ المشكلات البيئية وقضاياها من خلال الابتكار والإبداع، وتحقيق رسالته التي يصبو إليها؛ من أجل بيئة مستدامة وتقديم برامج توعيةٍ بيئيَّةٍ تغطِّي كافة الموضوعات التي تواجه البيئة والمحافظة عليها، والتعاون مع المدارس والجامعات في إعداد الحملات الإعلامية المُتعلِّقة بحماية البيئة.
وتعد وسائل التواصل الاجتماعي من أهم وسائل الإعلام البيئي التي تشهد إقبالاً كبيرًا، خاصةً من قبل فئة الشباب؛ للنهوض بالوعي البيئي لدى المستخدمين، وطرح القضايا والمشكلات البيئيَّة من خلال تقديم المعلومات المتعلِّقة بالبيئة ومشكلاتها، والدعوة إلى نشاطاتٍ وحملاتٍ تطوعيَّة وتحفيز الإعلام البيئي للجمهور للمشاركة الفعَّالة في حماية البيئة والعناية بها، من خلال دفع الناس إلى العمل الشخصي، وتشجيعهم على المشاركة في صنع القرار الذي يخدم البيئة التي يعيشون فيها، وإقامة حوارٍ تصل من خلاله آراء الناس إلى المسؤولين، كما يُوصِل المسؤولون إلى الجمهور من خلاله إيضاحاتٍ عن جدوى التدابير والإجراءات التي تتَّخذها الحكومات والهيئات الرسميَّة لحماية البيئة؛ الأمر الذي يُسهِم في توسيع الوعي وانتشاره بصورة أوسع للحفاظ على موارد الطبيعة.
ومن هذا المنطلق ينبغي لنا جميعًا أن نُعزِّز مهام وأدوار المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر، من خلال الإعلام البيئي والمساهمة في المحافظة على الغطاء النباتي، وأن يكون المواطن والمقيم في تراب هذا الوطن الغالي هما خطَّ الدفاع الأول في المحافظة على الغطاء النباتي ومكافحة التصحّر بما يمتلكه الجميع من وعي تام بأهمية المحافظة على الغطاء النباتي ومكافحة التصحر؛ لنحقِّق ما تصبو إليه القيادة الحكيمة في إطلاق مبادرة السعودية الخضراء، والشرق الأوسط الأخضر.
دام عزّك يا وطني…
✍️ أ.د.محمد حارب الشريف الدلبحي
عضو هيئة التدريس بجامعة شقراء
مقالات سابقة للكاتب